جوزي قالي انه مسافر

​أحمد بلع ريقه بصعوبة، وباس شفايفه الناشفة، وبص حواليه برعب.. وفجأة، اترمى على أول سِلمة في الطرقة، وغطى وشّه بإيديه وبدأ يعيط عياط رجل مقهور مش عارف يهرب من مصيبته.

​—حقك عليّا.. حقك تعلمي فيّا اللي ترضيه.. بس والله العظيم الموضوع مش زي ما إنتي فاكرة خالص.. مش خيانة بالمعنى اللي في دماغك!

​قعدت قدامه على سِلمة قصاده، وربطت إيدي ببعض وقلت بجدية مرعبة:

—انطق.. سامعاك.

​السر العائلي المرعب
​مسح أحمد دموعه وقال بصوت مكسور:

—محمود أخويا.. الله يرحمه.. مكاتش مات في حادثة عادية يا سما..

​قلبي وقف مكانه.

​—محمود.. قبل ما يموت بشهرين.. اكتشف إن عنده مرض خطير في الدم.. والدكتور قاله إن أي حمل

جديد أو إنجاب هيكون مستحيل، وإن حياته نفسها في خطر لو اتعرض لأي ضغط نفسي.. بس سمر كانت ميتة على عيال، وكانت بتحلم باليوم اللي يكون عندها طفل. محمود.. في أواخر أيامه.. قعد معايا وقالي بالحرف الواحد: “أنا بموت يا أحمد، وعايز مراتي تسترها دنيا وآخره، وعايز حد من دمّي يشيل اسمها ويحفظها.. ابقى راجل مع مراتي بعد ما أموت، واعتبرها أمانة في رقبتك”..
​أحمد بص لي بعيون مليانة توسل:

—يوم الحادثة.. محمود مكاتش مسافر، كان راجع من عند الدكتور وهو في حالة انهيار، وفقد السيطرة على العربية ودخل في شاحنة.. ومن يومها.. وأنا بطلع فوق أصلح لها حاجات البيت، وأرعى شؤونها زي ما وصاني أخويا.. والورقة اللي بخط إيدك.. دي كانت روشتة دوا كتبتُها لها بالخطأ لما كانت عيانة وجبتلها العلاج مع أكل دايماً بطلبه لها.. والله العظيم ماستندت لخيانه ولا نجاسة.. دي وصية أخ ميت كانت كاتمة على نفسي ومكنتش عارف أقولهالك إزاي عشان خايف رد فعلِك!

​قعدت ساكتة ثواني طويلة.. الكلام دخل عقلي، بس وزنه كان أثقل بكتير من إني أستوعبه بسهولة.

​بصيت لـ أحمد وهو قاعد قدامي مهزوم، تائه بين وعوده لأخوه وبين بيته وحياته معايا.. وفهمت ساعتها إن أكبر سر في العيلة دي مش مجرد جزمة تحت الكنبة ولا كاميرا مخفية.. ده كان ثمن الوصايا القديمة اللي بتدفن أصحابها تحت الأرض، وبتسيب الباقيين عايشين جوه جحيم من الشك والأسئلة اللي ملهاش إجابة.

​قمت من مكاني بصمت، دخلت شقتي، وقفلت الباب

بالمفتاح ورايا.. وسيبته قاعد لوحده على السِلمة في الضلمة، مش عارف بكرة هيخبي لنا إيه إحنا الاتنين.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *