بسم الله والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم حين استرددت نفسي بقلم الكاتبة نرمين عادل همام من يوم ما فتحت عيني على الدنيا دي، وأنا إنسانة راضية بقسمة ربنا، قنوعة بكل حاجة في إيدي مهما كانت بسيطة. كنت مؤمنة ولسه مؤمنة إن النعمة مش بحجمها، لا.. النعمة بالحمد اللي في القلب، وأن الغنى الحقيقي مش في اللي شايلينه في جيبنا، ده في الراحة والاطمئنان اللي في صدورنا. اتربيت في قرية صغيرة، من نوعية الأرياف اللي الناس فيها عارفة بعضها بالاسم، البيوت مفتوحة على بعضها كأن الحيطان دي ما اتخلقتش إلا عشان تتقاسِم، والقلوب زي البيوت.. لا بتقفل باب ولا بتخبّي وجع. في الفرح والزعل كنا عيلة واحدة، نقتسم لقمة العيش، والهم، والضحكة. لو بيت ضحك القرية كلها تكركر معاه، ولو حد بكى.. الحواري والأزقة تبكي عليه. كبرت وكبر اسمي معايا، أهل البلد كانوا عارفين “فاطمة” كويس؛ عارفين طبعي، وأخلاقي، وحيايا. بس محدش كان يعرف وشي! لأني من يوم ما تميت 13 سنة غطيته بالنقاب، وصرت شايفه في الحياء تاج مبيتشفش، وفي الستر كرامة مابتكبرش ولا بتعجز. كنت بعشــ,,ـــــق التعليم عشــ,,ـــــق ميتوصفش، الكتب دي كانت ملاذي لما الدنيا تضيق عليا، والأرقام كانت عالمي اللي بيرتب الكركبة اللي جوايا. بس في قريتنا، كان أقصى طموح مسموح بيه للبنت هو الثانوية وبس.. وصلت لها فعلاً، وجيت عند البوابة ووقفت، زي المسافر اللي بيلاقي السكة اتقفلت في وش فجأة. ومع إن مجموعي كان عالي جداً يطير في السما، قريبت مني الميس في يوم، بصت لي بعين كلها ذهول ورحمة، كأنها شايفه حاجة حلوة بتتكسر ومش عارفة تلحقها، وقالت لي: ـ “إزاي يا فاطمة ما تفكريش في الجامعة؟ انتي مستواكي يسمح تدخلي أحسن كلية!” وطيت عيني في الأرض وحسيت بتقل الكلام بيزن على صدـ,,ـــري، وقلت لها بهدوء مكسور: ـ “يا أبلة أهلي مش موافقين.. بيقولوا المصاريف كتير، وبعدين سمعنا إن الجامعات اختلاط وكده.” هزت رأسها بضيق والغضب سابق كلامها وقالت: ـ “مين قال الكلام ده؟ الاختلاط مش زي ما انتوا متخيلين خالص!” تنفست بطول صدـ,,ـــري كأني ببلع حلم كامل وبمــ,,ـــــوت رغبتي، وقلت بحزن حاولت أداريه على قد ما أقدر: ـ “الله يسعدك يا أبلة، ما تعلقيش قلبي بحاجة مش هتحصل.. أنا خلاص عرفت إن أحلامي حدها لحد هنا وهتقف.” المعلمة دي كانت من البندر، جت تتعين في مدرستنا من كام سنة بس، وما كانتش لسه أخدت على عيشة القرى.. عيشة بسيطة آه، بس قاسية على الأحلام، قاسية لما تولد جواكي رغبة أكبر من المسموح لكي بيه. ولما تميت 18 سنة، وصلت للعمر اللي بنات جيلي كلهم بيتجوزوا فيه؛ العمر اللي بتتأفل فيه كراسات الدراسة، وبتتفتح فيه دفاتر العمر من غير استئذان. وفي يوم عادي جداً، اتقدم لي شاب من البلد اسمه “مصطفى”. ما كانش من عيلتنا ولا قبيلتنا، بس عندنا في البلد ده ما كانش عيب؛ المعيار الوحيد والأولاني كان الأخلاق والدين. أبويا سأل عنه وعن أصله، عرف إن أخلاقه عالية، فوافق وتمت الجوازة. وعشنا أيام.. كانت بحق من أجمل أيام العمر! أيام خفيفة زي نسمة الفجرية، هادية زي قلب لسه مجربش الوجع ولا القسوة. سكنّا في بيت العيلة، عمارة كل دور فيها لشاب من الأولاد، وكان مصطفى هو الابن الأوسطاني.. وأنا مراته. وهناك.. عند العتبة دي بالذات، بدأ كل حاجة! كانت لي سلفة، زواجة الأخ الأكبر، اسمها “مرام”. ست متسلطة، متكبرة، تحب الكلمة تبقى كلمتها، والأمر أمرها، والبيت بيتها! كأن مفيش حد غيرها بيتفهم أو بيتشف. كانت بتتعامل بثقة حد فاكر إن الكون كله اتخلق عشان يلف حواليه، وإن البيوت ما تمشيش إلا بإشارة من إيده هو وبس. نسوان الإخوة هما اللي بيعملوا كل حاجة؛ طبيخ، وتنظيف، وترتيب، وخدمة البيت كله من أوله لآخره.. من غير استثناء، ولا رحمة بالوقت أو بالصحة والجسم. كنا بنصحى قبل الفجر، الساعة خمسة الصبح بالظبط، لما الضوء يكون لسه بيتشد بالعافية من ورا الشباك، والهواء ساقع كأن الليل لسه ما مشيش. نبدأ تنظيف، وبعده الفطور، وبعدين نجهز للغدا، وندخل في مرحلة العشاء.. وما بين كل ده، شغل ما بينتهيش! مجهود مواصل ما بيعرفش راحة، وما بيسبش في القلب غير الهدد والتعَب. شغل.. شغل.. شغل، وكانت الحياة روتينية، تقيلة، بتعدي ببطء كأن الأيام صورة طبق الأصل من بعضها، ما بقيناش نعرف نقرّق بين الصبح والامبارح! مر شهر.. والحمد لله. ما عدتش أيام كتيرة لحد ما عرفت إني حامل! الفرحة ملت قلبي زي ما حصلش قبل كده.. فرحة شبه النور لما يتسلل لأوضة ضلمة فيصحّي كل حاجة فيها. ربنا رزقني بأول مولود، ولد.. كنت شايفاه هو الدنيا كلها، أشيله وكأني شايلا الحياة كلها بين إيديا. كان أول حفيد في العيلة من ناحية مصطفى، وكان جده وجدته طايرين بيه ودلعه مالوش آخر، وكنت شايفه نفسي في النظرات دي أم محاطة بالنعمة والأمان. بس النعمة دي ما جتش على هوى مرام ولا عجباتها! من اليوم ده، كل حاجة اتغيرت.. اهتمام الجدين بابني بقى نــ,,ـــــار بتاكل في صدـ,,ـــرها، وشفت الحقد بيكبر في عينيها؛ حقد عليا وعلى طفلي سوا. بدأت تتقل عليا في شغل البيت كله، لحد ما بقيت لوحدي بشيل البيت وأعمل كل حاجة، وهي تقعد أوقات حاطة رجل على رجل، وتشور بإيدها ببرود يقسي القلب: ـ “اعملي هنا.. نضفي هنا.. عدلي ده.. النهاردة عايزين الطبخة الفلانية!” وأنا أصبر.. أقول لنفسي: “اصبري يا بنت الحلال، ما تعمليش مشاكل، ما تكبريش الموضوع، سيبيه يعدي.” كنت أكرر جوايا: “أنتي جاية من بيت محترم، أبورك رباكي أحسن تربية وأمك ما قصرتش في حاجة.. ما تدخليش البيت ده وتعملي قلق.” كنت فاكرة إن البنت لو طالبت بحقها تتقال عليها بتاعة مشاكل، ولو قالت “لأ” تبقى قليلة الأدب، ولو اعترضت تتوصف بالقسوة والوقاحة! كنت فاكرة إن الدفاع عن النفس عيب، وإن السكوت فضيلة، وإن الاحتمال بطولة. كنت صغيرة.. اتجوزت وأنا عندي 18 سنة، لا خبرة في الدنيا ولا فاهمة يعني إيه حدود. مرت السنين، وجيه طفلي الثاني، وبعده الثالث.. ثلاثة أولاد، وحياة روتينية ما بيتغيرش فيها أي حاجة إلا أنا.. كنت أنا لوحدي اللي بتتغير وبتاكل في نفسها في صمت. الكاتبة نرمين عادل همام ولما كبر ابني الكبير “أسامة” شوية وبقيت أوصله للمدرسة كل صباح، كنت أقف أوقات قدام البوابة، أبص للبنات بزيّهم المدرسي.. فأحس بقلب قديم في صدـ,,ـــري بيصحى، وأهمس لنفسي: “يا رب.. لو كنت كملت تعلييمي، لو دخلت الجامعة، لو مشيت في السكة دي اللي اتأفلت بكير في وشي!”.. وبعدين أرجع أبتسم بحزن خفيف، وأقول لنفسي زي اللي بطبطب على جرحه: “الحمد لله.. ليه دايماً بنبص للي مش في إيدنا، وما بنبصش للي ربنا أغدق بيه علينا؟ هو مش أولادي دول نعمة؟ مش الحياة دي، رغم قسوتها، مليانة خير خفي؟”.. وأمشي وأكمل يوم جديد من الصبر.. صبر بقى شبه العادة، وشبه العبادة. كنت بفكر نفسي دايماً: أنا متجوزة، عندي راجل بيحبني وأولاد وحياة مستقرة، فليه أطمع في أكتر من كده؟ كنت أوبّخ قلبي لما يضعف: “يا بنت احمدي ربنا.. ما تبقيش طماعة!”.. فأبلع أمنياتي وأمشي. وكنت بحرص من وقت للتاني إن أقابل صاحبات المدرسة؛ دي متجوزة، ودي مطلقة، ودي زواجة تانية.. وكلنا ماشيين في دنيتنا بنفس الإيقاع المتعب، شايلين أيامنا ونازلين نجر ورانا التعب، ونتظاهر بالقوة عشان نعرف نكمل. مرت السنين على الروتين التقيل ده.. أولاد، وبيت، وهموم ما بتنتهيش. وبعد ثلاثة أولاد، ربنا رزقني ببنوتة.. وكانت دي آخر حمل ليا، لأن الدكتور حذرني إن الحمل بعدها ممكن يعرض حياتي للخطر. كانت بنتي دي روحي وقلب عمري، وكانت في قلب أبويها حاجة ما تشبهش أي حاجة تاني! كان مصطفى بيعشــ,,ـــــقها عشــ,,ـــــق ميتوصفش، يدلعها، وينفذ لها كل طلب.. مستحيل حد يرفع صوته عليها أو يقول لها “لأ”. كانت ملكة البيت بلا منازع، تمشي فيه زي نور صغير بيطرد شوية من ضلمة الأيام. ومرت الأيام.. لحد ما جيه الحلم ده! حلم غريب، يقلق، وما بيسبنيش. صحيت منه فزعانة وبقول لنفسي: “إيه اللي أنا حلمت بيه ده؟ وليه؟”.. فقلت خلاص، أنساه، ده من الشيطان. بس الحلم رجع تاني، ورجع للمرة التالتة! كأنه بيخبط على باب قلبي بعناد ما بيتمسِكش. وقفت ساعتها عاجزة، فقلت أروح لأبويا، قلت له: ـ “يا بابا.. أنا بحلم بالحلم ده كتير، إيه تفسيره؟” ارتبك أبويا شوية، وبعدين قال: ـ “ولا حاجة يا بنتي.. في أحلام مالهاش تفسير، اذكري ربنا وانفثي عن شمالك.” بس الحلم ما مشيش! بالعكس، بقى أوضح.. الوجوه اللي كانت ضبابية بدأت تتشكل، ومع كل مرة كنت بصحى وكأن في حاجة بتتزاح من على عيني. وفي ليلة من الليالي، أدركت الحقيقة المرعبة.. الراجل اللي في الحلم كان مصطفى! قعدت على السر,,ـــــير وأنا برتجف، أبص له وهو نايم جنبي وأهمس لنفسي: “مين الست اللي معاه؟ ليه الحلم ده بيتكرر؟ في حاجة غلط ولا أنا اللي مش فاهمة؟”.. وبعدين استغفرت ربنا بسرعة وقلت: “أستغفر الله العظيم.. مصطفى مش كده، مصطفى راجل محترم ويعرف ربنا.. إحنا عايشين مع بعض بقالنا سنين، عشرة.. يمكن اتناشر سنة، لو كان ناوي يتجوز كان عملها من الأول!” كنت صادقة مع نفسي.. ما كنتش مقصرة معاه في أي حاجة! كنت بدبر البيت بحرص وأوفر من القرش، وأأجل كل احتياجاتي الشخصية عشان خاطر ولادي، وأقول دايماً: “الفلوس دي عشان الولاد.. عشان البيت.. عشان جوزي”. هو ده تفكير الأمهات، قلب بيوزع نفسه على الكل وما بيشيلش لنفسه ولا حتة صغنونة! بس الحلم ما سبنيش.. كان بيطاردني زي ما الظل بيطارد الجسد في عز النهار، لا في مفر منه ولا نجاة! بقيت أكره النوم وأخاف منه، أترعب من فكرة إني أغمض عيني فأقع تاني في نفس الدوامة. شغلت نفسي بالبيت، بالولاد، بالزيارات، بالطبخ والتنظيف، مليت أيامي لحد الاختناق عشان أنسى وعن قصد.. بس الحلم ما نسانيش! كان ساكن في صدـ,,ـــري، أسمعه جوايا كل ليلة زي النبض التقيل، وأحس بيه بيتمدد في أعماقي بصمت مرعب.