نوايا مسمومه ج٤ منى السيد
الجزء الخامس والأخير
الخط قطع، وفضلت واقفة والتليفون على ودني، وسامعة صوت الصفارة المتقطعة اللي بتعلن إن المكالمة انتهت. الغرفة كلها لفت بيا، وحسيت إن النفس هرب مني تاني. محمد لاحظ وشي اللي اتقلب في ثانية، قرب عليا ومسكني من كتفي في إيه يا فاطمة؟ مين اللي كان بيكلمك؟ وشك جاب ألوان ليه كدا؟
بصيت له وأنا بحاول أجمع الحروف في بوقي ده.. ده المهندس شريف، المدير التنفيذي لشركة المقاولات والتطوير. بيقول إن في مصيبة في ورق البيت، وإن التعويض ممكن يقف والشرطة تتدخل! وعايزني أقابله حالاً!
محمد برّق عينه وبص لأستاذ رأفت اللي كان لسه بيلم ورقه في الشنطة. أستاذ رأفت استغرب جداً، ونزل نظارته وقال مصيبة إيه يا بنتي؟ أنا مراجع ورق البيت بنفسي حتة حتة، العقد مسجل شهر عقاري من أيام والدك الله يرحمه، ومفيش فيه ثغرة واحدة! الراجل ده تلاقيه بيلعب بأعصابكم عشان يقلل قيمة التعويض. هاتِ الرقم ده كدا.
أستاذ رأفت أخد التليفون وطلب الرقم تاني، بس الخط كان بيدي غير متاح. المحامي فكر شوية وقال مفيش فاصل.. إحنا مش هنقعد نضرب الودع. هو قالك تقابليه فين؟ قال لي في مقر الشركة الرئيسي اللي في الدقي،
وقال لازم أروح فوراً قبل ما الإجراءات الرسمية تتحول للنيابة.
محمد شد مفاتيح العربية وقال بعزم ما فيه يلا بينا على الدقي. طول ما إحنا صح والورق في إيدنا، مفيش مخلوق يقدر يلوي دراعنا. أنا معاكي يا فاطمة ومستحيل هسيبك.
خرجنا من مكتب المحامي وركبنا العربية، وأستاذ رأفت جه معانا عشان يكون غطاء قانوني لينا لو في أي حوار. الطريق من وسط البلد للدقي مخدش ربع ساعة، بس الربع ساعة دي مرت عليا كأنها سنة. كنت ببص على محمد وهو سايق ومركز في الطريق، وجوايا سؤال بياكل في عقلي يا ترى يا أبويا، إنت شايل لي إيه تاني في البيت ده؟ وإيه السر اللي ممكن يوقف تعويض بملايين ويجيب الشرطة لحد عندنا؟
وصلنا مقر الشركة؛ مبنى ضخم كله زجاج، والأنوار فيه كانت قوية وتشرح القلب، بس أنا كنت حاسة إني داخلة غرفة تحقيق. طلعنا الدور الخامس، ودخلنا مكتب المهندس شريف. راجل في الأربعينات، لابس بدلة شيك جداً، وملامحه كانت جادة ومبين عليها القلق. أول ما شافنا، وقف ورحب بينا بسرعة وقعدنا.
أهلاً يا مدام فاطمة، أهلاً يا أستاذ محمد، سيادة المتر المهندس شريف قال وهو بيفرك إيده بتوتر أنا أسف إني جرجرتكم في الوقت ده، بس الموضوع مكنش يستحمل دقيقة تأخير.
أستاذ رأفت دخل في الموضوع على طول ونبرته كانت حاسمة خير يا باشمهندس؟ إيه الحكاية بالظبط؟ أنا المحامي الموكل عن المدام، وورق البيت مسجل وسليم مية في المية من تلاتين سنة! إيه بقا حكاية الشرطة والنيابة دي؟
المهندس شريف تنهد، وفتح درج المكتب وطلع منه خريطة هندسية قديمة، ومعاها دفتر كبير مجلد بالجلد الأسود مكتوب عليه سجلات المساحة والملكيات القديمة حي شبرا. حط الخريطة قدامنا وشاور بالقلم على مربع أحمر العقد بتاعكم سليم قانونياً يا فندم، ومحدش ينكر ملكيتكم للبيت ولا للأرض الحالية. المصيبة مش في العقد.. المصيبة في الماضي بتاع الأرض دي.
ماضي إيه؟ أنا سألت وصوتي بيترعش.
لما بدأنا نعمل مجسات للتربة ونراجع خطوط التنظيم القديمة من سنة ١٩٥٠ عشان نربط الأبراج الجديدة بالممشى التجاري، اكتشفنا إن الأرض اللي مبني عليها بيتكوا، والجزء الأكبر من الناصية الحيوية دي، كانت أصلاً ملك لجمعية خيرية قديمة تابعة للأوقاف من أيام الملكية! والجمعية دي كانت مشهرة ك وقف خيري لرعاية الأيتام، والأرض دي مكنش ينفع تتباع ولا تشترى بعقود مسجلة للأفراد من الأصل!
أستاذ رأفت وقف من على الكرسي مذهول إنت بتقول إيه يا باشمهندس؟! الأرض دي الحاج عبد الحميد، والد فاطمة، شاريها بعقد رسمي من مجلس المدينة سنة ١٩٨٢، وباني عليها البيت ومرخصه! إزاي تقول وقف؟
يا فندم اسمعني المهندس شريف كمل وهو بيفتح الدفتر الأسود في سنة ١٩٨٠، حصل تلاعب وتزوير في دفاتر المساحة والحي من موظفين قدام، وشالوا صفة الوقف عن الأرض دي عشان تتباع لقطع صغيرة للأهالي بأسعار رخيصة. والد المدام شاري على نية بيضاء وميعرفش حاجة، ودفع فلوسه وشقاه كله في الأرض دي.. بس القانون مبيرحمش. وزارة الأوقاف لما عرفت بمشروع الأبراج الخيالي ده، بدأت تنبش ورا الأراضي، ورفعت دعوى قضائية مستعجلة بفسخ جميع العقود اللي تمت على الأرض دي واستردادها كأملاك وقف! يعني ببساطة.. الأرض والبيت ممكن يرجعوا للأوقاف، والتعويض بتاعكم يتجمد، لا بل وممكن تتدخلوا كأطراف في قضية تزوير قديمة لو ملقيناش حل سريع!
الدنيا اسودت في عيني. الملايين اللي كنا بنحلم بيها، والبيت اللي أمي شقيت فيه، طلع مبني على أرض فيها حوار وتزوير من قبل ما أنا أتولد! بصيت لمحمد، لقيت الصدمة واكلاه، بس المرة دي مكنش باصص بطمع، كان باصص بخوف حقيقي عليا وعلى أمي.
لمحة نيوز