نوايا مسمومه ج٢ منى السيد
محمد كان حاطط راسه بين إيديه، حاسس إنه وقع في فخ ملوش قرار. بص لأمه وأخته وقالهم بنبرة مكسورة وميتة
امشوا انتوا يا ماما.. روحوا انتوا.
نمشي ونسيبك للغولة دي؟! ندى قالتها وهي بتشد شنطتها وعينها مليانة خوف من المواجهة.
قولتلكوا امشوا! محمد زعق بصوت رجّ الحيطان سيبوني لوحدي!
حماتي بصتلي بوعيد، وقالت وهي بتتحرك ناحية الباب
مش هسيبك يا فاطمة، والفلوس دي مش هتدوقي منها مليم، وهتشوفي هعمل فيكي إيه. الأيام بيننا، وبكرة تقولي حماتي قالت.
الباب يفوت جمل يا طنط، والمرة الجاية لما تيجي، ابقي هاتي معاكي أكل من المطعم الغالي، عشان أكل شبرا طلع تقيل على معدتكم الخفيفة قُلتها وأنا ببتسم وبقفل الباب وراهم بقوة.
لما الباب اتقفل، الغضب والطاقة اللي كانت فيا هديت شوية. التفت لمحمد اللي كان قاعد على الكرسي زي الفرخة المبلولة. بصيت لأمي، لقيتها بتبتسم في صمت، ودخلت المطبخ تعمل شاي كأن مفيش أي حاجة حصلت. الأصول شبراوية متموتش؛ مهما كانت المعركة حامية، الضيف طالما جوة البيت له احترامه لحد ما يخرج أو ينصلح حاله.
رحت قعدت قدام محمد على الكنبة، وقولتله بنبرة هادية بس ناشفة
قوم غسل وشك يا محمد، ولم الأطباق دي دخلها المطبخ. من بكرة حياتنا الجديدة هتبدأ. مفيش خروج ومفيش سهر ومفيش مامي
وبابي. في شغل وتعب لحد ما تعويض البيت يجهز، وساعتها هشوف إذا كنت تستاهل تكمل معايا كراجل وشريك، ولا تكون مجرد صفحة وسخة وقلبتها من حياتي.
محمد قام من غير ولا كلمة. شال الصواني ودخل بيها المطبخ، وبدأت أسمع صوت المية وهي شغال وهو بيغسل المواعين. النظرة المكسورة اللي كانت في عينه وهو شايل الصواني، كانت تمن كل دقيقة وقفتها على رجلي من الساعة خمسة الصبح وهي بتهيني وتستقل بيا.
عدى يومين، ومحمد كان ماشي زي الساعة. بينزل شغله الصبح ويرجع بعد الظهر يقعد يقشر بطاطس ويقطع بصل مع أمي في المطبخ. في الأول كان بيعمل كده وهو مخنوق ومتضايق، بس مع الوقت، وبسبب طيبة أمي اللي مكانتش ببتعامل معاه بغل، بدأ يلين ويهدى. أمي كانت بتقوله يا بني الشغل مش عيب، وكل لقمة بتجيبها بعرقك بتطرح بركة في بيتك. الكلام ده كان بيلمس حاجة جواه، حاجة أمه عمرها ما علمتهالوا؛ أمه علمته المظاهر الكدابة والجرى ورا الفلوس السهلة.
لكن الهدوء ده مكنش معناه إن العاصفة انتهت. أنا كنت عارفة إن حماتي وندى مش هيسكتوا. الست دي جبارة وتلف وتدور ومستحيل تقبل إن بنت شبرا تكسر مناخيرها وتأخد ابنها بالشكل ده.
وفي يوم الثلاث، وأنا نازلة اشتري حاجات من السوبر ماركت اللي على أول الشارع، لقيت واحدة ست من جيراننا القدام، اسمها أم أحمد، بتشدني من إيدي ووشها مخطوف.
فاطمة! الحقيني يا بنتي، تعالي على جنب هنا عيزاكي في كلمة.
في إيه يا خالة أم أحمد؟ خير؟
خير إيه بس! إنتِ جوزك اسمه محمد وأمه اسمها أم محمد اللي ساكنين في مصر الجديدة؟
آه، هما، مالهم؟
أم أحمد لفت وشها يمين وشمال وقالت بصوت واطي جداً
في ست كدا شكلها هانم، ومعاها بت شابة حربوقة، كانوا واقفين مع واد صايع من بتوع الموتوسيكلات اللي ورا المحطة من شوية. أنا كنت بشتري خضار وسمعتهم بالصدفة وهما بيوروا الواد ده صورتك وصورة بيتكوا! الست الكبيرة كانت بتقوله عايزة البيت ده يتولع فيه، أو البت دي تتبهدل ومتمشيش في الشارع سليمة، وليك الحلاوة الكبيرة. الواد وافق وقالها اعتبريه حصل يا هانم، شبرا مليانة حواديت والموضوع عندي.
دمي نشف في عروقي. حماتي؟! وصلت بيها الجبروت إنها تأجر بلطجي عشان تولع في البيت أو تأذيني أنا وأمي؟ عشان خاطر عقد البيت والفلوس؟
حسيت ب غضب أعمى، بس المرة دي مكنش غضب ذكاء، كان غضب خوف على أمي وعلى بيتنا اللي عشنا فيه عمرنا كله. شكرت أم أحمد وجريت على البيت وأنا قلبي هيقف من الرعب.
طلعت السلم وبقيت بفتح الباب وإيدي بترتعش. دخلت لقيت محمد قاعد مع أمي في المطبخ، بيضحكوا وهم بيجهزوا محشي الكرنب ليوم بكرة. أول ما شافوا وشي المخطوف، محمد وقف بسرعة وساب السكينة من إيده
مالك يا فاطمة؟! وشك أصفر كدا ليه؟ حصل إيه؟
بصيت لمحمد بعيون مليانة نار وشرار، وقُلتله بصوت عالي وهستيري
أمك يا محمد! أمك الجبارة بعتت بلطجية عشان يولعوا في البيت ويأذوني أنا وأمي! أمك عايزه تقتلنا عشان خاطر الفلوس والعقد!
محمد برّق عينه ووشه اتخطف
إنتِ بتقولي إيه؟! مستحيل أمي تعمل كدا! أمي ممكن تكون طماعة ومادية، بس توصل للقتل والبلطجة؟! لاء طبعاً!
لاء عملتها يا محمد! وجيراننا سمعوها بنفسهم وهي بتسلم صورتي وصورة البيت للبلطجي وبتتفق معاه! زعقت فيه وأنا بزقه في صدره ودلوقتي بقا وريني، هتقف تتفرج عليا وعلى أمي وإحنا بنموت وبنتبهدل، ولا هتثبتلي إنك بقيت راجل بجد وهتقف في وش أهلك وتحمي بيتك ومرأتك؟
محمد وقف للحظات مذهول، الصدمة شلت تفكيره. بس فجأة، ملامح وش الصبي الطيع اللي كان بيسمع كلام أمه اختفت، وظهرت مكانه ملامح غضب وحسم عمري ما شوفتها فيه من يوم ما عرفته. مسك تليفونه وطلبه، وأول ما الخط فتح، زعق بأعلى صوته
ألو يا ماما.. إنتِ فين بالظبط دلوقتي؟ أنا جايلك، وإقسمل بالله لو اللي في دماغي طلع صح، لا هكون ابنك ولا أعرفك ليوم الدين!
قفل الخط وبصلي وقال بنبرة صلبة
البسي عبايتك يا فاطمة، وتعالي معايا. الحساب ده لازم يتقفل دلوقتي، وفي و وسط مصر الجديدة كلها.