نوايا مسمومه ج١ منى السيد

السنين اللي عشتها في شبرا، وأمي اللي كانت بتعلمني إزاي أكون واعية ومفتحاش عيني على الغدر، خلوني ألقط اللعبة.
ابتسمت ببرود، وحطيت المنديل على رجلي وقلت
والله يا ندى، مساحته مش كبيرة ولا حاجة، بيت أبويا الله يرحمه على قدنا. وبعدين العقد وأوراقه دي حاجات تخص أمي وتخصني، يعني متشالة في مكان أمين وخلاص. المهم، إنتِ مكلتيش من صينية الرقاق ليه؟ دي شكلها عاجبك أوي.
وش ندى اتقلب للحظة، وحماتي اتنحنحت وقالت بصوت حاولت تخليه حنين بس كان طالع مخنوق
يا بنتي، ندى بتطمن عليكي وعلى مالك، ما إنتِ بقيتي بنتنا برضه. إحنا بس بنقول لو الأوراق دي محتاجة توثيق أو تسجيل في الشهر العقاري، محمد أخوها بيفهم في الحاجات دي وممكن يساعدك، بدل ما تتبهدلي في المحاكم والمصالح الحكومية.
تسلمي يا طنط قلتها وأنا بقوم من مكاني محمد فيه الخير، بس الحمد لله ورق البيت سليم ومسجل من أيام والدي، مش محتاج تعب. أنا هقوم أغسل إيدي بقا.
دخلت الحمام، وقفت قدام المراية ونفست نفسي بالعافية. هما عايزين إيه من بيت شبرا؟ البيت قديم، صحيح موقعه في شارع تجاري وحيوي، بس مش للدرجة اللي تخلي عيلة عايشة في مصر الجديدة وعندهم عربيات يبقوا ملهوفين على عقده كده! في إنّ في الموضوع، ومحمد هو راس السهم في اللعبة دي.
لما خرجت، لقيت محمد لسه واصل، دخل وشكله كان هربان منه النوم، عينه حمرا ووشه شاحب. أول ما شافني، حاول يبتسم وقال
فاطمة! كويّس إنك جيتي، نورتي بيتك يا حبيبتي. شوفتي بقا إن أمي وندى بيحبوكي؟
بصيت له من فوق لتحت، وقلت في سري يا خسارة يا محمد. رديت عليه
بنورك يا محمد. أنا كنت ماشية خلاص عشان الوقت اتأخر وماما قاعدة لوحدها.
تمشي فين؟ لا طبعًا، إنتِ هتباتي في بيتك، إحنا خلاص صفينا النفوس قالها وهو بيقرب يمسك إيدي، بس أنا سحبتها بهدوء.
لأ، أنا اتفقت مع طنط وندى إني هاجي أتعشى بس، ولسه حسابنا وصُلحنا أنا وإنت مخلصش. لما شروطي تتنفذ يا محمد، نبقى نتكلم.
حماتي وقفت بسرعة وقالت بنبرة حدة بدأت تظهر تاني
شروط إيه يا بنت الأصول؟ هو إحنا مش خلاص اتعشينا وبقينا كويسين؟ إيه لزمتها الشروط والورق اللي بتقولي عليه ده؟ إنتِ عايزة تخربي على نفسك من أولها؟
الخراب مش بييجي من اللي بيطلب حقه يا طنط، الخراب بييجي من اللي عينه على حق مش بتاعه. عن إذنكم.
سيبتهم ومشيت، صوته وهو بينادي عليا في المدخل كان عالي، بس أنا مابصيتش ورايا. نزلت السلم وأنا بجري، ركبت أول تاكسي وقبل ما أتحرك، لقيت رسايل على موبايلي من محمد فاطمة ارجعي، فاطمة متضيعيش كل حاجة من إيدك.
وصلت شبرا، طلعت السلم وفتحت الباب. أمي كانت قاعدة على السجادة بتصلي، استنيتها لما خلصت وسلمت. ارتميت في حضنها وأنا بعيط، مش من الكسرة، لأ، المرة دي من الحيرة والخوف من اللي جاي.
مالك يا قلب أمك؟ حصل إيه تاني؟ هما زعلوكي؟
لأ يا ماما، الموضوع مابقاش موضوع زعل وعزومة ولحمة. الموضوع فيه حوار كبير أنا مش فاهماه.
قعدت وحكيت لها كل اللي دار على السفرة، من أول أسئلة ندى لحد كلام حماتي عن الشهر العقاري. أمي سمعتني وهي حاطة إيدها على خدها، وملامح وشها بدأت تتغير، مابقتش ملامح الست الهادية الطيبة، ظهرت في عينيها نظرة قلق قديمة، نظرة أنا عارفاها كويس.
أمي سكتت شوية، وبعدين قامت وقفت، وراحت ناحية الدولاب بتاعها. طلعت مفتاح صغير كانت دايماً شايلاه في جيب جلابيتها الداخلي، وفتحت درج مقفول، وطلعت منه لفة قماش سميكة.
قعدت جنبي وفكت القماش، وطلعت منه عقد البيت الأصلي، ومعاه ورقة تانية قديمة ومصفرة.
خدي يا فاطمة، اقري دي.
مسكت الورقة، كانت عبارة عن خطابات ومكاتبات رسمية قديمة من المجلس المحلي ومن شركة مقاولات كبيرة، وتاريخها من حوالي شهرين بس قبل جوازي من محمد! قريت السطور وعينيا بتوسع من الصدمة.
المنطقة اللي فيها بيتنا في شبرا، الشارع كله داخل في خطة تطوير وتنظيم جديدة، وهيتبني مكانه ممشى تجاري ومجمع أبراج ضخم. الدولة هتعوض أصحاب البيوت دي بمبالغ خيالية، أو بشقق ومحلات في الأبراج الجديدة دي.. والتعويض لبيتنا إحنا بالذات، عشان موقعه على الناصية الرئيسية، كان واصل لملايين!
رفعت عيني لأمي وأنا مش مصدقة
ماما.. الورق ده جه هنا إمتى؟ وإزاي أنا معرفش؟
الورق ده يا بنتي جه من شهرين، وأبوكي الله يرحمه كان كاتب البيت باسمك وباسمي، بس النصيب الأكبر ليكي إنتِ كنوع من التأمين. أنا قولت مش هقولك دلوقتي عشان مفيش حاجة تبوظ جوازتك، ومحمد لما جه يتقدم، سألني عن البيت وعن الشارع، وأنا طيبة وعلى نيتي قولتله إن في كلام عن تطوير.. مكنتش أعرف إن عينه هتبق زايغة كده!
حسيت بطعنة في ضهري. محمد كان عارف! محمد مكانش بيتجوزني عشان بيحبني أو عشان شايفني بنت أصول زي ما كان بيقول. محمد خطبني واتجوزني بسرعة وربع عشان التعويض ده! عشان كده حماتي وندى كانوا بيموتوا ويمسكوا العقد في إيديهم، عشان يخلوني أمضي على تنازل أو بيع وشراء لمحمد من غير ما أحس، تحت مسمى الصُلح وتأمين المستقبل.
دموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع نار.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *