نوايا مسمومه ج١ منى السيد

افتكرت كل كلمة قالها لي، افتكرت لما كان بيقولي أنا شاريكي يا فاطمة ومش عايز من الدنيا غيرك. طلع شاري الملايين اللي ورايا، مش شاريني أنا.
هتعملي إيه يا بنتي؟ أمي سألتني وهي بتمسح دموعي بإيدها الشقيانة.
هربيهم يا ماما. اللي يفتكر بنت شبرا لقمة طرية ياكلها ويتمسخر بيها، يبقى لسه معرفش مين هي فاطمة. والكسرة اللي كسروهالي في وسط عيلتهم، هردها لهم في وسط الناس كلها.
تاني يوم الصبح، مكلمتش محمد ولا ردت على مكالماته الكتير. نزلت ورحت لمكتب محاماة كبير في وسط البلد، واحد من المعارف اللي كانوا بيخلصوا لوالدي أوراق الشغل زمان. قعدت مع المحامي، أستاذ رأفت، وحطيت قدامه ورق البيت والخطابات الرسمية.
أستاذ رأفت نظارته نزلت على طرف مناخيره وهو بيقرا، وبصلي وقال
يا فندم، الأرض دي تسوى ذهب دلوقتي. الشركة المطورة هتموت وتخلص مع أصحاب العقارات اللي على الناصية عشان يبدأوا حفر. لو جوزك أو أهله قدروا يخلّوكي تمضي على توكيل عام أو عقد بيع ابتدائي، حقك كله راح.
وأنا مش هخليهم يلمسوا ورقة واحدة يا متر. أنا عايزة أعرف، إزاي أحميهم قانونياً بالملي، وفي نفس الوقت أخليهم يجوا ورايا وهم راكعين؟
المحامي ابتسم وقال
القانون في صفك، العقد مسجل ومفيش فيه ثغرة. بس عشان نلعب معاهم صح، إحنا هنعمل فخ. هتمشي معاهم في السكة، وتفهميهم إنك موافقة تديهم اللي عايزينه، بس بشرط.. والشرط ده هو اللي هيعلق مشنقتهم.
خرجت من مكتب المحامي وأنا حاسة بإن قوتي رجعتلي تالت ومتلت. ركبت الميكروباص ورجعت البيت، وطول الطريق وأنا برسم الخطة في دماغي. محمد لازم يدفع تمن كل نظرة استهانة، وكل كلمة قالتها أمه في حقي وفي حق أمي، وكل علبة أكل ندى رمتها على السفرة عشان تحسسني إني قليلة.
أول ما وصلت شبرا، لقيت عربية محمد واقفة تحت البيت. كان قاعد جواه، وساند راسه على الدريكسيون وشكله تعبان. أول ما شافني نازلة، فتح الباب وجري عليا.
فاطمة! كنتِ فين؟ بقالي ساعات مستنيكي هنا، وتليفونك مقفول! حرام عليكي اللي بتعمليه فيا ده!
بصيت له بملامح هادية جداً، ملامح خالية من أي غضب، وقولت بنبرة ناعمة
كنت بريح دماغي شوية يا محمد. المشي في الشوارع بيخليني أفكر أحسن.
وفكرتي في إيه؟ سألني بلهفة، وعينيه لمعت بالطمع اللي بقيت شايفاه بوضوح دلوقتي.
فكرت إن كلام مامتك صح. إحنا ملناش غير بعض، ومينفعش نخرب بيتنا من أول أسبوع عشان خناقة في المطبخ أو كلمتين اتقالوا في وقت عصبية.
محمد اتنفس الصعداء، وابتسامته رجعت لوشه
أيوا كده يا فاطمة! دي فاطمة العاقلة اللي أنا عرفتها وحبيتها. يلا لمي حاجتك عشان نرجع شقتنا.
لأ، مش دلوقتي يا محمد. أنا هرجع معاك، بس بعد ما نصفي كل حاجة عشان ندخل على نظافة. إنت قولت إنك زعلان ومامتك ندمانة، صح؟
طبعاً! أمي هتموت وتصالحك، وندى كمان.
خلاص، أنا موافقة. بس أنا قولتلك إني محتاجة أكون متأمنة. البيت بتاعي وبتاع أمي في شبرا، أنا قررت أعمل فيه حاجة تضمن مستقبلي ومستقبلك. أنا هعمل عقد شراكة بيني وبينك في البيت ده، عشان نبقى بنبني مستقبلنا سوا، ومحدش يقول إننا غُرب عن بعض.
محمد عينيه كانت هتطلع من مكانها من الفرحة، حاول يداري لهفته وقال
بجد يا فاطمة؟ إنتِ هتعملي كده؟ طب والورق؟ والعقد الأصلي فين؟
العقد معايا وفي حفظ وصون قولتها وأنا ببتسم وبطبطب على كتفه بس عشان نعمل العقد ده صح، أنا عازماكم كلكم عندي هنا في بيت شبرا يوم الجمعة الجاية. مامتك، وندى، وإنت طبعاً. هنعمل قعدة أصول، ونجيب المحامي يكتب عقد الشراكة باللي يرضي الطرفين، وأهو بالمرة مامتك تشوف البيت وتعرف إن بنت شبرا جاية من خير وعز برضه، مش من قلة.
ماشي يا حبيبتي، اللي تشوفيه! أنا هكلم أمي دلوقتي وأقولها، هيفرحوا أوي!
سيبته وطلعت السلم، وكل خطوة كنت بخطيها كانت بتأكد لي إن النهاية بتاعتهم قربت. هما فاكرين إنهم جايين ياخدوا ورقة تخليهم ملايين، ومش عارفين إنهم جايين يوقعوا على صك نهايتهم وخروجهم من حياتي للابد.
يوم الخميس، نزلت السوق مع أمي. اشترينا أحسن خضار وأحسن لحمة. قضينا اليوم كله نطبخ ونجهز، بس المرة دي وأنا بضحك وبغني مع أمي. مكنتش تعبانة، لأن الأكل ده مكانش عشان أثبت لحد إني شاطرة، الأكل ده كان العشا الأخير لعيلة محمد في حياتي.
يوم الجمعة جه، والساعة دقت خمسة بعد الظهر. الباب خبط، فتحت ولقيت محمد واقف، ووراه حماتي لابسة ومشيّكة على الآخر، وندى جاية وراهم بتبص لمدخل البيت القديم بقرف ومش عاجبها العجب.
أهلاً وسهلاً، اتفضلوا، البيت نور قولتها وأنا ببتسم بكل ترحيب.
حماتي دخلت، وبدأت تبص على الصالة المتواضعة، والكنب القطيفة القديم، وقالت بصوت واطي
هو ده البيت بقا يا فاطمة؟ ما شاء الله.. صحيح قديم بس يعني.. يمشي حاله.
اتفضلي يا طنط ارتاحي أمي خرجت من المطبخ ورحبت بيهم بمنتهى الذوق والأصل الشبراوي اللي يملى العين. قعدوا، ومحمد كان عمال يبصلي ويغمزلي بمعنى فين الورق؟.
قعدنا على السفرة، وحطيت الأكل. صواني بطاطس باللحمة ريحتها تقلب الشارع، ورق عنب مرصوص بالملي، محشي، ورز بالشعرية. الأكل اللي حماتي قال ت عليه تقيل وبتاع مطاعم شعبية كان

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *