الجزء الثاني والأخير "تاني يوم الصبح... أول رسالة وصلتلي كانت: (الفيزا اترفضت!)... ولأول مرة في حياتي، ما جريتـش أحل المشكلة." صحيت الصبح، عملت فنجان قهوة، وقعدت في البلكونة أبص للشارع. يمكن لأول مرة من سنين... صحيت وأنا مش بفكر مين ناقصه فلوس، أو مين مستني مني أحل له أزمة. الموبايل رن. رسالة من نور. "إيه اللي عملتيه؟ الفيزا اترفضت وأنا في البنزينة!" بصيت للرسالة شوية. زمان؟ كنت هقوم أجري أكلم البنك. أشوف إيه المشكلة. وأعتذرلها كمان. لكن المرة دي... قفلت الرسالة، وكملت أشرب القهوة. بعدها بخمس دقايق... اتصلت. طننت عليها. رجعت اتصلت. طننت. لحد ما بعتت: "ردي عليا يا آية... العربية واقفة ومش عارفة أعمل إيه." ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقلت لنفسي: "يمكن لأول مرة... تتصرف بنفسها." --- بعد الضهر بشوية... الموبايل رن. أبويا. رديت. أول ما سمع صوتي، صرخ: — إنتي اتجننتي يا بنت؟ قلت بهدوء: — صباح الخير يا بابا. قال بعصبية: — صباح إيه؟ إنتي وقفتي الفيزا بتاعة أختك ليه؟ قلت: — لأنها مش فيزتها. دي فيزتي أنا. سكت ثانية. وبعدين قال: — يعني تسيبي أختك تتبهدل؟ قلت: — وأنا لما كنت بتبهدل عشان أدفع ديونها... حد كان بيسأل؟ --- أمي خدت الموبايل بسرعة. وقالت بصوت كله استعطاف: — يا حبيبتي... دي أختك. قلت: — آه... أختي. بس أنا مش البنك بتاعها. ولا الجمعية الخيرية بتاعت البيت. --- قالت: — إحنا عمرنا ما قصرنا معاكي. ضحكت. قلت: — بجد؟ طب فاكرين آخر مرة سألتوني أنا محتاجة إيه كانت إمتى؟ سكتوا. قلت: — فاكرين آخر مرة جبتولي هدية؟ آخر مرة عزمتوني على الغدا؟ آخر مرة قولتولي ارتاحي وإحنا هنشيل عنك؟ ولا كل اللي فاكرينه... إني بدفع؟ --- أبويا شد الموبايل منها وقال بعصبية: — بعد كل اللي عملناه عشانك... قاطعته. وقلت: — لا يا بابا... بعد كل اللي أنا عملته عشانكم. أنا اللي دفعت أقساط نور. وأنا اللي كنت بجيب دواك. وأنا اللي بدفع تأمين العربية. وأنا اللي شيلت مصاريف البيت لما خرجت معاش. وفي الآخر... صورتني قدام الناس وقلت عليا "الشغالة". --- سكت. أول مرة... أبويا يسكت. قلت: — تعرف أكتر حاجة وجعتني؟ مش الفيديو. ولا الكلمة. اللي وجعني... إنكم كنتوا شايفين ده عادي. --- وقفلت السكة. --- من اليوم ده... المكالمات بقت ما بتقفش. مرة عتاب. مرة خناق. مرة تهديد. ومرة كلام كله تأنيب ضمير. "إحنا أهل." "إنتي اتغيرتي." "الفلوس عملت منك واحدة تانية." لكن ولا كلمة واحدة... فيها اعتذار. --- بعد يومين... نور بعتتلي من رقم جديد. "أنا مكنتش أقصد أزعلك." قريت الرسالة. ورديت: "وأنا مكنتش أقصد أصرف عليكي طول السنين دي." فضلت ساكتة. وبعد ساعة بعتت: "اضطريت أستلف من صاحبتي." قلت لنفسي: "كويس... أهو أول درس في الاعتماد على النفس." --- عدى أسبوع. وفجأة... جرس الباب رن. فتحت. لقيت أمي. شكلها كان مرهق. وشها شاحب. وعينيها باين عليهم إنها بكت. دخلت من غير كلام. وقعدنا قصاد بعض. ولا واحدة عارفة تبدأ. بعد شوية... قالت: — الفيديو ده... كان غلط. بصيتلها. قلت: — بس إنتي ما وقفتيهوش. نزلت عينها. وقالت: — كان لازم أوقفه. ولأول مرة... حسيت إنها بتتكلم بصدق. --- قالت: — أبوكي ساعات بيهزر زيادة. قلت بهدوء: — لا يا أمي. هو مش بيهزر. هو اتعود يعمل اللي هو عايزه... عشان عمره ما حد وقف قصاده. --- سكتت. وبعدين قالت: — من ساعة ما وقفتي الفلوس... الدنيا بقت صعبة. فاتورة العربية اتأخرت. ونور بقت تدور على شغل. وأبوكي بقى يحسب كل جنيه. قلت: — أهو... يمكن دلوقتي يعرف قيمة الفلوس اللي كانت بتدفع من غير ما يحس. --- بصتلي وقالت: — هترجعي زي الأول؟ هزيت راسي. وقلت: — لا. أنا مش هقطع علاقتي بيكم. هفضل بنتكم. وهفضل أزوركم. وأقف جنبكم لو حصل ظرف بجد. لكن... مش هعيش عمري كله ماكينة صرف. --- وقفت أمي. وقبل ما تمشي... قالت: — عندك حق. يمكن إحنا فعلًا خدنا وجودك كأمر مسلم بيه. ابتسمت لأول مرة. وقالت: — سامحينا. --- بعدها بيومين... دخلت على فيسبوك. لقيت الفيديو اختفى. اتمسح. من غير ما حد يقول حاجة. ومن غير ما حد يبرر. يمكن ما كانش ده كفاية. بس كان أول اعتراف... إن اللي حصل كان غلط. --- بعدها بشهر... اتفاجئت بنور بتكلمني. قالت وهي مكسوفة: — اتقبلت في شغل. وأول مرتب هينزل... هرجعلك أول قسط من الفلوس اللي صرفتيها عليا. ضحكت. وقلت: — احتفظي بيهم. بس أوعي في يوم تضحكي على حد... كان بيحبك بجد. --- أما أنا... فلأول مرة من سنين... بقيت أصرف مرتبي على نفسي. اشتريت الجزمة اللي كنت بأجلها. وسافرت يومين إسكندرية. ولما فتحت تطبيق البنك آخر الشهر... ماكنتش فرحانة عشان الرصيد. كنت فرحانة... لأني أخيرًا بقيت عارفة إن قيمتي مش في الفلوس اللي بدفعها. ولا في الخدمة اللي بقدمها. قيمتي... إني إنسانة تستحق الحب والاحترام... مش بس وقت ما الناس تكون محتاجة منها حاجة.