دم ابني السري
مباشر. قدرنا نوقف النزيف المؤقت، بس الترياق الوحيد مش موجود في مصر كلها! ده مركب بيولوجي نادر جداً بيتم تصنيعه في معامل خاصة خارج البلاد، ووقت وصوله بالشحن الطبي هياخد مش أقل من ساعة… ويوسف قدامه ربع ساعة بالكتير!
المستشفى سكتت كلياً كأنها مقبرة.
سيف مابينش أي لحظة ضعف. بالعكس، ملامحه تحولت لصخرة صلبة. بص لواحد من رجاله الواقفين وراه وقال بصوت حاسم
بلغ العمليات الخاصة في مطار القاهرة. طيارتي الخاصة جاهزة على الممر العسكري. كلم معامل جنيف فوراً، خليهم يطلعوا الطيارة بالترياق حالاً، وخلي طيارتنا تعمل هبوط اضطراري في أقرب قاعدة جوية وتنقله بمروحية عسكرية للمستشفى هنا… معاك 12 دقيقة بالضبط.
الحارس رد بصوت فدائي أوامرك يا باشا! وتحرك يجري بجنون.
لكن الكارثة ماخلصتش هنا.
الجراح كمل كلامه وبص لسيف بتخوف يا فندم… فيه مشكلة تانية أكبر. السم ده ليه شفرة مضادة، بس مش أي حد يقدر يدمجها، دي محتاجة فصيلة دم نادرة جداً تكون متطابقة تماماً لتنشيط الترياق جوه جسم الطفل كعامل مساعد، وفصيلة يوسف نادرة جداً ومش متوفرة في بنك الدم.
سيف بصلي مباشرة، وعينه لمعت بنظرة غريبة فهمتها قبل ما ينطق.
قرب مني ومسك دراعي بقوة، وقال بصوت دافئ لكنه جاد فصيلتك إنتِ يا سلمى مش هي اللي متطابقة… فصيلتي أنا هي اللي متطابقة.
إيه؟!
يوسف واخد فصيلة دم نادر بتاعتي… فصيلة الدم اللي بتديني مناعة ضد أنواع معينة من السموم اللي بيستخدموها خصومي. جسمه بيحارب السم، بس محتاج دم نقي مني أنا شخصياً عشان يديه الدفعة الأخيرة ويطرد السم بره جهازه العصبي.
الدكتور هز راسه بإيجاب بالظبط يا فندم. .. نقل دم فوري من الأب هيخلي الطفل يستجيب للترياق أول ما يوصل في خلال دقايق معدودة.
سيف ماترددش لحظة واحدة. بص للممرضة وقال بلهجة آمرة جهزوا غرفة التبرع حالاً. وقبل ما يتحرك، بص لي وبص لعيوني المليانة خوف على ابنه، وقال بهمس قريب مهما حصل يا سلمى… أنا مابتنازلش عن اللي بتاعي، ويوسف هو أغلى حاجة عندي في الدنيا دي كلها. لو فاكرة إنك هتقدري تخبيه مني تاني، فابعدي الفكرة دي عن دماغك. بس دلوقتي… خلينا نركز ننقذ ابننا.
دخل سيف غرفة العمليات، واتوصل بأجهزة نقل الدم وهو قاعد جنب ترابيزة يوسف، عينه مانزلتش من على وجه ابنه الصغير الشاحب.
مرت دقایق كأنها عصور.
وفي اللحظة اللي أجهزة المراسلة أعلنت فيها وصول المروحية العسكرية فوق سطح المستشفى ودخول الترياق لغرفة العمليات… دقات قلب يوسف على الشاشة بدات ترجع للاستقرار تدريجياً.
الخط المنكسر على الشاشة اتحول لنبضات طبيعية ومنتظمة.
الدكتور خرج وهو بيمسح العرق من جبينه وبابتسامة واسعة قال الحمد لله… الخطر زال تماماً. الطفل في أمان.
وقفت قدام باب العمليات وأنا حاسة برجفة في جسمي كله.
خرج سيف من الأوضة، كان وشه باهت شوية من تأثير سحب الدم، لكن وقفته كانت ملكية زي ما هي. وقف قدامي، وبص للأبواب اللي جوه وهي بتتفتح ويوسف نايم بسلام، وبعدين بص لي نظرة طويلة.
قرب مني وقال بهدوء دلوقتي يا سلمى… بعد ما أنقذنا ابننا مع بعض، تحبي ترجعي للبيت اللي يليق بيكي وبابنك، وإلا أحطك تحت حراستي الخاصة في مكان تاني تختاري برغبتك؟
ابتسمت وسط دموعي المرة دي، وحسيت إن الهروب القديم انتهى، وإني دخلت عالم تاني خالص… عالم سيف الدمنهوري.