رجع كريم الدمنهوري بيته قبل معاده بتلات أيام. ما اتصلش بحد، ولا بلغ إنه راجع، ولا حتى موكب العربيات المعتاد كان معاه. الراجل اللي مجرد اسمه كان بيخلي أعتى الناس ترتبك، دخل من الباب الجانبي للفيلا في هدوء، كأنه غريب داخل بيت مش بيته. وفجأة سمع صوت... صوت غريب عمره ما اتسمع وسط هدوء الفيلا الرخام. صوت فرشة بتلمّع جزمة جلد... وتحته صوت طفلة صغيرة بتدندن بأغنية هادية، لكن كلماتها طالعة غلط من كتر النعاس. مشى ورا النور اللي خارج من أوضة آخر الطرقة. ولما قرّب وبص من الباب الموارب... وقف مكانه. لأول مرة في حياته. قدامه كانت بنت صغيرة، ما تكملش تلات سنين، قاعدة لوحدها بعد نص الليل. إيديها كلها ملمّع جزم لحد الرسغ. وكانت مركزة أوي في اللي بتعمله، كأنها بتحاول تنقذ روح حد. ما كانتش بتسرق. ولا مستخبية. دي كانت بتحاول تحمي حد. أول ما لفت وشها وشافته واقف قدامها... كل الحكاية خرجت منها مرة واحدة. حكاية أمها اللي سخنت جامد. والسر اللي محدش من الخدم قدر يقوله. والخوف اللي كان عايش جوه الفيلا بقاله يومين من غير ما كريم يعرف أي حاجة. كريم الدمنهوري كان دفن أبوه وأمه من غير ما تنزل منه دمعة. وشاف ناس كتير بتترجاه يسيبها تعيش، وما اتحركلوش جفن. لكن الكلام اللي الطفلة قالتله بعد كده... كسره في ثواني. كان واقف في الممر الضيق اللي ورا الجراج، رابطة الكرافتة مفكوكة، والجاكيت لسه شايل ريحة الفندق اللي كان نازل فيه في إسكندرية. بص حواليه، وحس إن هدوء بيته بقى غريب عليه. ما كانش المفروض يرجع الليلة. اتفاق الشغل خلص أسرع من المتوقع، فقرر يرجع من غير ما يبلغ حد. يمكن كان نفسه يحس إنه راجع بيته زي زمان... قبل ما النفوذ يغيره. وقبل ما الخيانة تدخل حياته. كل الأنوار كانت مطفية، إلا خيط نور أصفر طالع من تحت باب أوضة الجزم. مشى كام خطوة... وسمع الصوت تاني. صوت الفرشة وهي بتعدي على الجلد بهدوء. ومعاه صوت الطفلة وهي بتدندن. وقف ساكت. وقرب من الباب واحدة واحدة. فتح الباب سنة صغيرة. شافها واقفة على كرسي خشب صغير، بتحاول توصل للرف العالي. بنت صغيرة... يمكن عندها تلات سنين. إيديها كلها ملمّع أسود. وعلى خدها وأنفها بقع سودة. ولسانها طالع من جنب بقها من كتر التركيز وهي بتلمّع جزمة جلد سودا. جزمة كريم. الجزمة اللي كان بيلبسها في الاجتماعات اللي الناس كلها كانت بتهابه فيها. كانت بتشتغل بمنتهى الدقة... تحط الفرشة في العلبة. تخبطها تلات خبطات خفاف. وبعدين تلمّع الجزمة من أولها لآخرها. ترفعها قدام النور، تبص عليها، تهز دماغها برضا، وترجع تكمل. جنبها كان فيه دب صغير قديم، محطوط على الأرض، ودانه متخيطة بخيط لونه مختلف. كريم وقف يبصلها. راجل عمره ما خاف. ولا اتأثر. لكن منظر طفلة صغيرة قاعدة تلمّع جزم بالليل كأن حياتها واقفة على الجزمة دي... خلّى قلبه يتقبض. وفجأة... لوح الأرضية طلع صوت تحت رجله. البنت اتخضت. علبة الملمع وقعت من إيدها، واتدحرجت لحد ما خبطت في الجزمة اللي لابسها. وسكتت الأغنية فورًا. رفعت عينيها لفوق... لفوق... لحد ما شافت وش كريم. وشها اصفر. نزلت بسرعة من على الكرسي، وكادت تقع. وقفت قدامه، جسمها كله بيترعش، ورأسها في الأرض. وقالت بصوت ضعيف: "أنا آسفة... والله هنضف كل حاجة." ورمت نفسها على الأرض، وبدأت تمسح الملمّع بالفوطة، لكن كل ما تمسح، البقعة كانت بتكبر. قال لها كريم بصوت خشن من غير قصد: "استني." اتجمدت مكانها. كأن الكلمة خوفتها أكتر من أي حاجة. سكت شوية... وبعدين نزل على ركبته لحد ما بقى في مستواها. وقال بصوت أهدى: "إنتِ بتعملي إيه هنا في الوقت ده؟... وفين مامتك؟" البنت رفعت عينيها بالعافية. وشفايفها كانت بتترعش. وقالت: "ماما عيانة... جسمها مولع من السخونية." وحطت صباعها الصغير على جبينها. "ماما وهي نايمة كانت بتقول لازم تصحى بكرة تلمع الجزم بتاعت حضرتك." وسكتت لحظة... وبعدين قالت بسرعة وهي خايفة: "لو ماما ما اشتغلتش... هيطردوها." بلعت ريقها بصعوبة. "ولو طردوها... مش هيبقى عندنا بيت نعيش فيه." في اللحظة دي... كريم حس إن قلبه اللي كان متجمد بقاله سنين... بدأ يتكسر. لكن الطفلة... لسه ما قالتش كل اللي عندها. حكايات شروق خالد عاصم قرب من السرير بسرعة، وحط إيده على جبين الست. سحبها في نفس اللحظة. "دي نار!" لف ناحية مريم اللي كانت واقفة عند الباب، ضامة الدب الصغير لصدرها. "اسم مامتك إيه؟" "رحاب." "بقالها قد إيه كده؟" "من امبارح الصبح." "حد كشف عليها؟" مريم هزت راسها بالنفي، وقالت وهي بتحاول تمنع دموعها: "طلبت من عم فؤاد يجيب دكتور... بس قال إن المدير الكبير زعق، وقال ما حدش يصحي حضرتك ولا يزعجك." وش عاصم اتبدل. "مين المدير الكبير؟" "الأستاذ مدحت." الاسم وقع في ودنه زي الشرارة. مدحت... الراجل اللي ماسك إدارة الفيلا بقاله خمس سنين، واللي كان بيثق فيه ثقة عمياء. طلع موبايله واتصل بطبيبه الخاص. "خمس دقايق وتكون عندي... ولو اتأخرت دقيقة، هعتبرك اعتذرت عن شغلك." قفل السكة، واتصل بالحرس. "كل الموجودين في الفيلا ينزلوا الصالون حالًا... واللي اسمه مدحت يجي قدامي دلوقتي." ما عداش دقايق، وكانت الفيلا كلها واقفة في الصالون. الخدم مرعوبين. والحرس واقفين في صمت. أما مدحت، فنزل وهو بيعدل رابطة عنقه، ولسه فاكر إن عاصم رجع عشان شغل. ابتسم وقال: "حمد لله على السلامة يا باشا..." لكن عاصم قاطعه. "رحاب بتموت بقالها يومين." ابتسامة مدحت اختفت. "يا باشا... الموضوع مش زي ما حضرتك فاهم." "يبقى افهمني." بدأ العرق ينزل من على جبينه. "هي... هي طلبت ترتاح شوية." في اللحظة دي، خرجت مريم من ورا عاصم. بصت لمدحت وقالت ببراءة: "إنت كذاب." الصالة كلها سكتت. مريم كملت وهي ماسكة الدب بإيد، وبالإيد التانية ماسكة هدوم عاصم. "إنت قلت لماما لو اشتكت هتطردها... وقلتلي لو قلت لعمو عاصم حاجة، هياخدنا الشرطة." مدحت حاول يصرخ: "بنت صغيرة... مش فاهمة..." لكن عاصم رفع إيده، فسكت الجميع. كان باصص لمريم... مش لمدحت. وكأن كل كلمة خرجت من الطفلة كانت بتكشف له جزءًا من الحقيقة. بعد دقائق، دخل الطبيب ومعاه الإسعاف. كشف على رحاب بسرعة، ثم لف ناحية عاصم وقال بجدية: "لو كنا اتأخرنا الليلة، كانت هتدخل في تسمم شديد... وإنقاذها كان هيبقى صعب جدًا." عاصم غمض عينيه لحظة. ولأول مرة من سنين، حس بالذنب. مش لأنه ظلم حد بنفسه... لكن لأنه وثق في الشخص الغلط، وساب ناس أبرياء يدفعوا التمن. بص لمريم، اللي كانت واقفة تبص على باب الأوضة وخايفة على أمها أكتر من خوفها على نفسها. نزل على ركبته قدامها وقال بهدوء: "مامتك هتخف... وأنا أوعدك، من النهارده محدش هيقدر يخوفك ولا يطردك من هنا." مريم سألته بصوت مرتعش: "بجد؟" ابتسم ابتسامة صغيرة لأول مرة من سنين. "بجد." لكن وهو بيبص ناحية مدحت، كان عارف إن الليلة دي لسه ما خلصتش... لأن الحقيقة كانت أكبر من مجرد مدير ظالم، وكان فيه سر مستخبي جوه الفيلا، سر هيقلب حياة الجميع رأسًا على عقب. حكايات شروق خالد الإسعاف خرج برحاب، ومريم رفضت تسيب إيد أمها لحد ما الباب اتقفل. قبل ما العربية تتحرك، عاصم قال للسواق: "تتوجهوا على أفضل مستشفى خاص... وأي دكتور تحتاجوه يتجاب في ثانية." لما رجع الفيلا، كان الصالون لسه مليان. ولا حد فيهم قادر يرفع عينه في عينه. مدحت حاول يتكلم: "يا باشا... والله في سوء تفاهم." عاصم قرب منه لحد ما بقى وشه قدام وشه. "أنا سألتك سؤال واحد... مين أمرك تسيب ست مريضة يومين من غير علاج؟" مدحت بلع ريقه. "كنت... كنت خايف على سمعة الفيلا. لو الخدم عرفوا إنها تعبانة..." "سمعة؟" ابتسم عاصم ابتسامة باردة. "إنت سيبت إنسانة تموت عشان سمعة؟" سكت مدحت. في اللحظة دي، دخل واحد من أفراد الأمن وهو ماسك فلاشة صغيرة. "يا باشا... بناءً على أمرك، راجعنا كاميرات الفيلا." عاصم شغل الفيديو. أول لقطة كانت لرحاب وهي بالكاد واقفة على رجلها، ماسكة الحيطة بإيديها. كانت بتترجى مدحت. "لو سمحت... هاتلي دكتور." لكن مدحت زقها بإيده وقال ببرود: "اشتغلي الأول... وبعدين ابقي عيّي براحتك." الفيديو اللي بعده أظهر مريم وهي بتحاول تدي أمها كباية مية، بينما باقي الخدم واقفين بعيد، خايفين يساعدوها. وفي آخر الفيديو... ظهرت مريم وهي داخلة أوضة الجزم لوحدها، شايلة الفرشة الكبيرة بإيديها الصغيرة. قالت وهي بتبص لصورة عاصم المعلقة على الحيطة: "هلمع الجزم... عشان ما يزعلش من ماما." القاعة كلها غرقت في صمت. واحدة من الخادمات بدأت تعيط. أما عاصم... فقفل الشاشة من غير كلمة. لف ناحية مدحت وقال: "من النهارده... إنت مطرود." مدحت شهق. "يا باشا... بعد السنين دي كلها؟" "السنين دي كلها كانت أكبر غلطة في حياتي." بعد أسبوع... رحاب خرجت من المستشفى وهي أحسن بكتير. كانت مستغربة إن أوضتها القديمة في سكن الخدم اختفت. بدلها، عاصم سلّمها مفتاح شقة صغيرة قريبة من الفيلا. وقال لها: "دي ليكي وللبنت... من غير إيجار." رحاب نزلت دموعها. "أنا مش عايزة غير شغلي." ابتسم عاصم وقال: "شغلك انتهى." وشها شحب. لكن كمل كلامه: "لأنك من النهارده هتشتغلي في مكتبي... براتب محترم، وساعات عمل آدمية، ومريم هتدخل أفضل حضانة." مريم جريت عليه، وحضنت رجله وهي بتضحك لأول مرة. ضحكتها ملأت المكان. ولأول مرة من سنين... حس عاصم إن الفيلا الباردة بقى فيها روح. لكن وهو خارج من المكتب، رن موبايله. المتصل كان رقم مجهول. رد بهدوء. جاله صوت راجل غريب قال: "اللي حصل لرحاب ماكانش صدفة... ومدحت كان بينفذ أوامر." عاصم عقد حواجبه. "أوامر مين؟" الراجل سكت ثانيتين... وبعدين قال: "لو عرفت الاسم دلوقتي... مش هتنام الليلة." وانقفل الخط. عاصم فضل باصص للموبايل. كان متأكد إن اللي كشفه مجرد أول خيط... وإن الحرب الحقيقية لسه ما بدأتش. حكايات شروق خالد عاصر قبض على الموبايل بقوة، وأعاد الاتصال بالرقم. الرد الوحيد كان: "هذا الرقم غير متاح." رفع عينه ناحية رجال الأمن. "اقفلوا كل بوابات الفيلا... وماحدش يخرج قبل ما أعرف مين لعب اللعبة دي." بدأ أفراد الأمن يراجعوا الكاميرات من أول يوم سافر فيه عاصم. كل حاجة كانت طبيعية... لحد ما واحد من الشباب وقف الصورة فجأة. "يا باشا... بص هنا." عاصم قرب. في الشاشة ظهر راجل لابس كاب أسود وكمامة، دخل الفيلا بالليل. الغريب... إن الحرس هم اللي فتحوله البوابة. "مين ده؟" ولا واحد عرف يرد. بعد دقائق، وصل تقرير من مسؤول الأمن. الاسم اللي سجل دخوله كان... شريف الجبالي. ابن عم عاصم. عاصم سكت. وشريف بقاله شهور بيطالبه يبيع نص شركاته، وكان دايمًا بيرفض. دلوقتي كل حاجة بدأت تركب. دخل مكتبه وفتح الخزنة. ملفات مهمة كانت في أماكنها... لكن ملف واحد اختفى. ملف خاص بعقد شراء أرض بمليارات الجنيهات. ابتسم عاصم ابتسامة باردة. "يبقى الموضوع عمره ما كان رحاب..." في اللحظة دي دخلت مريم المكتب من غير ما تخبط. كانت ماسكة الدب الصغير. وقالت بخوف: "عمو عاصم..." بصلها. "في إيه يا مريم؟" قربت منه وهمست: "أنا شفت الراجل اللي كان بيزعق لماما." ركع قدامها بسرعة. "فين؟" "كان بيتكلم مع الأستاذ مدحت في الجنينة... وقاله لو الست فضلت عايشة هتبوظ كل حاجة." الكلمات نزلت على عاصم كالصاعقة. "إنتي متأكدة؟" هزت رأسها. "وأنا استخبيت ورا الشجرة... وهو وقع منه ده." فتحت كفها الصغيرة. كان فيها خاتم فضة عليه حرف... ش. عاصم عرفه من أول نظرة. كان خاتم شريف... الخاتم اللي عمره ما كان بيفارقه. في اللحظة دي، عرف إن اللي حصل لرحاب ماكانش إهمال. كان محاولة لإسكاتها لأنها شافت حاجة ماكانش المفروض تشوفها. رفع عينه، وقال بهدوء مرعب: "ابدأوا يجهزوا العربيات." أحد الحراس سأله: "رايحين فين يا باشا؟" رد وهو بيحط الخاتم في جيبه: "رايحين نزور شريف... والزيارة دي هتغير حياة عيلة الجبالي كلها." حكايات شروق خالد