الحقيقه المره

​مفاجأة تقرير السموم

​سكت “معتز” شوية، وبلع ريقه بصعوبة قبل ما يكمل السرد:

​— “بعد ساعتين، خرج الدكتور “عادل” أستاذ الباطنة، ووشه ما يطمنش خالص. نادانا أنا وعمي على جنَب، وقالنا بنبرة حادة وصادمة:

– ‘انتوا متأكدين إن أخوكوا ما كانش بياخد أي أدوية غريبة؟ أو في حد بينه وبينه خصومة؟’

رديت بذهول: ‘لا يا دكتور، مراد طول عمره في حاله، من بيته لكليته.. في إيه يا دكتور قلقنا؟’

​الدكتور طلع نتائج التحاليل وحطها في إيدينا وقال:

– ‘تقرير السموم مطلع نسبة عالية جدًا من مادة الزرنيخ في دمه، وده مش مسموم دفعة واحدة.. ده بيتاخد على فترات طويلة وبجرعات صغيرة جدًا، هو ده اللي سبب له الفشل الكلوي الحاد والضمور اللي في جسمه!’

​أول ما الدكتور قال كدة، لقيت عمي اتوتر بشكل مش طبيعي، عرق غريزي نزل على وشه، وقال بسرعة وبصوت متلجلج:

– ‘زرنيخ؟! أكيد المطعم القذر اللي كان بياكل منه هو السبب! الأكل بره ملوث وما فيش عليه رقابة!’

​بس أنا ودماغي بتوع طب، عارفين كويس إن الزرنيخ مش مادة بتتحط في الأكل بالصدفة من مطعم! دي مادة مفيهاش طعم ولا ريحة، وتدبيرها بيبقى بمقدار ونظام عشان تموت الضحية بالبطيء من غير ما حد يشك.. في اللحظة دي، افتكرت رفض مراد الأكل من البيت، وافتكرت نظرات الرعب اللي كانت في عينه كل ما يشوف عمي.”

​السر المخبأ في الغرفة المعزولة

​طبطبت على كتف “معتز” وقلت له بصوت هادي عشان أجمّع باقي الخيوط:

— “واعملتوا إيه بعد كلام الدكتور يا معتز؟”

​رد وهو بينهدم بكل حزن:

— “سبت المستشفى وجريت زي المجنون على البيت.. طلعت أوضة مراد فوق. كنت عايز أفهم السر، ليه مراد عزَل نفسه؟ ليه كان بيرفض ياكل من البيت وفي نفس الوقت اتسمم من بره؟ دخلت الأوضة وبقيت أفتش في كل شبر.. كشاكيله، هدومه، مكتبه. لحد ما لقيت درج مكتبي مقفول بقفل صغير. كسرته بصعوبة، ولقيت أجنذة ومذكرة صغيرة بخط إيده.. افتحتها وكانت الصدمة اللي كسرت ضهري!”

​مما كتبه “مراد” في مذكراته:

​“اليوم 14 أكتوبر.. أنا مش قادر أصدق اللي شفته. بعد وفاة أبايا بشهرين، سمعت عمي بيتكلم في التليفون في الصالون تحت، كان بيكلم حد وبيقوله: ‘الموضوع تم زي ما اتفقنا، الزمة القلبية غطت على كل حاجة، والفلوس والشركة هتكون تحت إيدي قريب لما أتجوز الأرملة’.. عمي هو اللي قتل أبويا بجرعة دواء غلط! حاول يعطيني أكل فيه نفس الحاجة لما حس إني شاكك فيه، عشان كده قررت أبعد وأكل من الشارع.. بس أنا حاسس إن عمي مراقبني، وممكن يوصل للمطعم اللي باكل منه كمان.. لو جرى لي حاجة يا معتز أنت وأخوك، اعرفوا إن عمنا هو الشيطان اللي دمر عيلتنا.”​المواجهة والعدالة

​دموعي نزلت وما قادرتش أمسك نفسي.. يعني “مراد” كان يعيش في جحيم لوحده طول 4 سنين، محبوس في أوضته، خايف يتكلم محدش يصدقه، وبيحاول يحمي إخواته وأمه من غير ما يضرهم!

​كمل “معتز” الحكاية والشرار بيطلع من عينه:

​— “نزلت المذكرة وبصمتها معايا، وجريت على قسم الشرطة وقدمت بلاغ رسمي. النيابةتحركت فورًا، وفتشوا بيت عمي والمطعم اللي جنب البيت.. واكتشفوا الفاجعة! عمي كان مأجر عامل في المطعم بفلوس كتيرة جدًا، عشان يحط نقط الزرنيخ في الوجبة اللي مراد بطلبها دايما! العامل اعترف بكل حاجة أول ما اتقبض عليه، وعمي اتحاصر بالدليل القاطع.”

​سألته بلهفة:

— “وأمك؟ موقفاها إيه من كل ده؟”

​— “أمي انقهرت.. جاها انهيار عصبي لما عرفت إن الراجل اللي وثقت فيه واتجوزته عشان يحمينا، هو اللي قتل جوزها الأولاني وكان بيموت ابنها الصغير بالبطيء عشان يستولي على باقي الميراث والشركة! عمي اتقبض عليه وتلبس بقضايا قتل عمد وتسميم وتزوير، ومصيره بقى حبل الإعدام.”

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *