اعلان الاباده ج٢ منى السيد

أقصد يا ندى.
ركبت العربية وأغلقت الباب في وجهها، وتركتها واقفة في وسط الممر تصرخ وتندب حظها الأسود الذي صنعته بيديها الخائنتين.
يوم الملحمة في قاعة المزادات
صباح اليوم التالي، الساعة العاشرة صباحاً. قاعة المزادات الكبرى في مقر وزارة الاستثمار كانت ممتلئة عن آخرها برجال الأعمال والمستثمرين والمحامين. الأجواء مشحونة، والهمسات تملأ المكان حول تصفية الحساب الكبرى بين فريدة الهواري وشريف رسلان.
كنت أرتدي بدلة رسمية بيضاء ناصعة، تعبر عن بداية جديدة ونقية، وبجانبي الأستاذ ثروت وحازم المنشاوي وفريقنا القانوني. جلسنا في الصفوف الأمامية والهدوء يلفنا كقادة ينتظرون لحظة النصر الإستراتيجي.
وقبل بدء المزاد بدقائق، انفتح الباب الخلفي للقاعة ودخل شريف ومعه محاميه. كان شكله يثير الشفقة؛ عينيه محاطة بهالات سوداء، بدلت الليلة لم تكن مكوية بعناية كالمعتاد، ويده كانت ترتعش وهو يمسك بملف الأوراق. التقت عيناه بعيني، فحاول أن يرفع رأسه بكبرياء مصطنع، لكنه سرعان ما خفضها وجلس في آخر القاعة كالمطرود من رحمة السوق.
وقف الدلال على المنصة، وضرب بمطرقته الخشبية ليعلن بدء المزاد
المزاد اليوم على القطعة رقم 402، وتشمل مخازن التبريد والشحن اللوجستي بميناء الإسكندرية، بمساحة عشرة آلاف متر مربع، بكامل أجهزتها ورخصها التشغيلية، والمرهونة لصالح البنك الأهلي المصري لعدم سداد المديونيات المستحقة على شركة رسلان ترانس. السعر الافتتاحي.. خمسون مليون جنيه مصري.
بدأت المزايدات تتصاعد بسرعة خمسة وخمسون مليون!.. ستون مليون!.
رفع شريف يده بصوت مخنوق اثنين وستون مليون!
نظرت إليه في دهشة؛ من أين له هذا المبلغ؟ همس لي الأستاذ ثروت سريعاً باع شقته الشخصية ورهن دهب مراته التانية زيزي وبنتها عشان يجمع مقدم المزاد.. بيقامر بآخر قرش معاه عشان ينقذ المخازن.
ابتسمت وأومأت لحازم بيه. رفع حازم لوحته سبعون مليون جنيه!
ساد الصمت في القاعة. سبعون مليوناً مبلغ ضخم، لكن المخازن تستحق بالنسبة لشركتنا الجديدة. شريف بدا وكأنه يتنفس بصعوبة، ونظر إليّ كأنه يستعطفني من بعيد ألا أزايد عليه. لكن قلبي الذي مات تجاهه ليلة الفورسيزونز لم يعد يعرف الرحمة.
رفعت لوحتي بنفسي، وقولت بصوت واضح وثابت سمعه كل من في القاعة ثمانون مليون جنيه كاش، مع التعهد بسداد المديونيات المتأخرة للموردين فوراً.
ضرب الدلال ضربته الأولى ثمانون مليون جنيه للمدام فريدة الهواري.. دقيقة أولى.
التفت المحامي لشريف وهز رأسه بالنفي، مشيراً إلى أن غطاءهم المالي قد انتهى تماماً ولا يمكنهم الرفع أكثر. شريف وضع وجهه بين كفيه وبدأ يبكي بصمت وسط القاعة.
ثمانون مليون جنيه.. دقيقة ثانية.
ثمانون مليون جنيه.. دقيقة ثالثة.. ومبروك للمجموعة الجديدة، فريدة الهواري للاستثمار!
انطلقت التصفيقات في القاعة، ووقف حازم بيه يهنئني، بينما انسحب شريف من الباب الخلفي كالفأر المذعور، بعد أن خسر شقته، ودهب عائلته الجديدة، وآخر أمل له في البقاء داخل سوق الأعمال.
البناء فوق الأنقاض
بعد مرور شهرين على المزاد، كانت لافتة شركة رسلان ترانس قد أُنزلت تماماً من على البرج الإداري الكبير في التجمع الخامس، وحلت محلها لافتة ضخمة تضيء باللون الكحلي والذهبي مجموعة فريدة الهواري للاستثمار والخدمات اللوجستية.
تمت إعادة هيكلة الشركة بالكامل؛ طردت كل من كان له يد في تسهيل نزوات شريف أو التستر على سرقات ندى، وتمت ترقية الموظفين الشرفاء الذين أفنوا عمرهم في خدمة المكان. أما خطوط الشحن، فقد تضاعفت بفضل الشراكة الذكية مع حازم المنشاوي، ودخلت المجموعة في مشروعات قومية لتطوير الموانئ الجافة.
في صباح أحد الأيام، كنت أجلس في مكتبي الجديد، الواسع والمحاط ببلور زجاجي يطل على القاهرة بأكملها. دخلت سكرتيرتي الجديدةوهي فتاة كفء تم اختيارها بناءً على مؤهلاتها وخبرتها الحقيقية وليس صلة القرابةوتحمل في يدها بعض الأوراق والصحف اليومية.
مدام فريدة، قالت السكرتيرة باحترام، الأستاذ ثروت بره وعايز يشوفك، وبيقولك في خبر في صفحة الحوادث والقضايا هيهمك جداً.
خليه يدخل فوراً يا منى.
دخل الأستاذ ثروت وبسمة انتصار ترتسم على وجهه، ووضع الجريدة أمامي مشيراً لعنوان صغير في الأسفل القبض على رجل الأعمال السابق شريف رسلان وندى زهران بتهمة النصب والتزوير في أوراق رسمية.
قرأت الخبر بتمعن. تبين أن شريف، بعد إفلاسه التام وطرد الموردين له، حاول بالتواطؤ مع ندى تزوير عقود ملكية لبعض الأراضي القديمة التي كانت مملوكة لأبويا في الفيوم، وبيعا لمستثمر عربي بموجب توكيل رسمي مزور ومستخرج بتاريخ قديم قبل وفاة والدي. لكن الشؤون القانونية بهيئة الاستثمار اكتشفت التزوير وتم إبلاغ النيابة العامة التي ألقت القبض عليهما في شقة مفروشة بمنطقة فيصل.
سبحان الملك يا بنتي، قال ثروت وهو يهز رأسه. يمهل ولا يهمل. الخيانة مكنتش مجرد طبع فيهم في الجواز، دي كانت منهج حياة ونهايتهم الطبيعية السجن.
وضعت الجريدة جانباً، ولم أشعر بأي شماتة أو حزن. كانوا بالنسبة لي مجرد أشباح من ماضٍ سحيق تم تنظيف حياتي منه.
الحمد لله يا أستاذ ثروت. المهم دلوقتي نركز في بكرا. عندنا اجتماع مع الوفد الإيطالي الساعة واحدة عشان نوقع عقد خط الشحن الجديد ومحتاجين نكون جاهزين.
جاهزين وكل الأوراق تمام يا فندم. ربنا يوفقك.
عهد جديد.. وشمس لا تغيب
في مساء ذلك اليوم، أقام حازم بيه احتفالاً ضخماً بمناسبة مرور شهرين على التأسيس وتحقيق المجموعة لأرباح قياسية تجاوزت التوقعات. الاحتفال كان في نفس القاعة بفندق الفورسيزونز، لكن الأجواء كانت مختلفة تماماً.
المكان كان يعج بالوجهاء، الوزراء، المستثمرين، ورجال الصحافة الحقيقيين الذين جاءوا ليحتفلوا بالنجاح الحقيقي وليس بالاستعراضات الرخيصة. كنت واقفة بالقرب من الشرفة الكبيرة المطلة على النيل، أرتدي فستاناً أسود سواريه غاية في الأناقة، وماسكة كاس العصير في إيدي، والابتسامة لا تفارق وجهي.
اقترب مني حازم بيه ورفع كأسه ليحييني في صحة الملكة.. الملكة الحقيقية لسوق اللوجستيات في مصر. فريدة الهواري اللي أثبتت إن الذكاء والتخطيط البارد بيكسبوا دايماً في النهاية.
في صحة الشراكة الناجحة يا حازم بيه، قولت له وأنا أبتسم. وشكراً لإنك كنت الشريك الصح في الوقت الصح.
أنا اللي كسبت يا فريدة. السوق كله دلوقتي بيحلف باسمك. بس قولي لي.. مش ندمانة على أي حاجة؟
نظرت إلى النيل الممتد أمامي، والأنوار التي تضيء دروبه وسط عتمة الليل، وقلت بثقة ويقين لم يهتزا قط
الندم ده للي مبيعرفش يبدأ من جديد يا حازم بيه. أنا خسرت راجل خاين وأخت مزيفة، بس كسبت نفسي، وكسبت كرامتي، ورجعت اسم عيلتي للمكان اللي يستحقه. شمس فريدة الهواري طلعت، ومفيش قوة في الدنيا هتقدر تغيبها تاني.
تركت حازم وتوجهت نحو المسرح، حيث كان الميكروفون بانتظاري لألقي كلمة الافتتاح لشركتي الجديدة.. الكيان الذي بنيته بدمي وفلوسي وعقلي، والذي لن يشاركني فيه خاين أو متسلق بعد اليوم. صعدت السلم وسط تصفيق حار هز القاعة، ونظرت للجمهور بكل ثقة، وبدأت أتحدث عن المستقبل.. المستقبل الحقيقي الذي اخترته لنفسي وبنفسي.
نهاية القصة
بقلم مني السيد

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *