باع العشره ج٢
ومع الرزعة دي، ماما قفلت باب الماضي بضبتين ومفتاح، وبدأت حكاية ثانية خالص.
من اليوم دا، ماما حطت كل طاقتها وغُلبها في شغلها. بقت تصحى قبل الشمس، تبدأ يومها بابتسامة صافية وصلاة فجر يدوب تريح قلبها، وتنزل للمحل كأنها رايحة معركة هي مصممة تطلع منها كسبانة. الزباين في الحارة والمناطق اللي حوالينا بدأوا يلاحظوا الفرق… نظافة الخضار اللي بتنضفه إيدها، أمانتها في الوزن، ولسانها الطيب اللي ينقط عسل وهو بيدعي للرايح والجاي.
بقت الستات في الحارة يقولوا لبعض: “روحوا اشتروا من عند أم فلان، حاجتها بركة ووشها يبشر بالخير”. المعلم صاحب المحل نفسه بقى مذهول من رجت الزباين عليه، وبقت هي السر في إن المحل رجله شالت رزق مكنش بيشوفه قبل كده.
مرت كم شهر، وماما بتاخد يوميتها وتحوش منها كل مليم زيادة عن أكلك وشربنا. لحد ما جه يوم وقفت فيه قدام مرايتها، ورشقت طرحتها بدبوس وقالتلي بصوت كله أمل: “لحد كده وكفاية يا بنتي.. رزقنا لازم يبقى من إيدنا خالص.”
راحت للمعلم، استأذنته بأدب، وأخدت القرشين اللي حوشتهم مع جمعية دخلت فيها، وعملت “فرشة خضار” صغيرة في أول الشارع الموازي. فرشة بسيطة خالص من خشب، بس كانت أنضف فرشة في السوق كله. تفرش الخضار وترتب الألوان كأنها بتدير لوحة فنية، والناس بقت تطب عليها بالطوابير.
الفرشة المتر في متر، بفضل ربنا وثباتها، ربنا طرح فيها البركة. وبعد أقل من سنة، كانت ماما مجمعة مبلغ محترم، وراحت أجرت المحل الصغير اللي كان مقفول قصاد فرشتها القديمة.
يوم ما استلمت مفتاح المحل، مسكت المفتاح وبست إيديها وش وظهر، وبصتلي والدموع في عينها وقالت: “المحل ده هيبقى باب الخير اللي مش هيتقفل في وشنا أبداً.”
وده اللي حصل بالظبط… المحل الصغير كبر، والست اللي كانوا فاكرين إنها هتموت من الجوع أو هتروح تخدم عشان لقمة العيش، بقت هي صاحبة الفضل والرزق، والكل بيحلف بشطارتها وكرامتها اللي كانت أعز عندها من الدنيا وما فيها.
البركة لما تحل في مكان بتغير كل الموازين… وده اللي حصل مع ماما بالظبط.
المحل الصغير مابقاش مجرد مكان لبيع الخضار بالقطاعي، ده بقى الخلية اللي ما بتهدأش. من كتر الإقبال والضغط، ماما مابقتش قادرة تقف لوحدها، فبدأت تشغل عندها شباب من الحارة وستات غلابة محتاجين اللقمة الحلال، وكانت بتعاملهم كأنهم أهلها، تراضيهم وتتقي ربنا فيهم قبل أي حاجة.