اغراض ابني حكايات زهره
— أبوس إيدك خديها كلها… ابني “ياسين” ملحقش يفرح بيها ولا يخرج من المستشفى… سيبيني أحس إن روح الصغير ده سابت أثر وطوق نجاة لطفل تاني.
حطت إيدها على وشها وبكت بقهر وبكاء صامت، وبعدها قالت:
— أنا اسمي “زينب”… والله العظيم ما هنسى جميلك ده طول ما أنا حية.
بصيت للطفل وسألتها:
— اسمه إيه؟
قالت وهي بتبتسم وسط دموعها:
— اسمه “يوسف”.
قلت وأنا بمسح
دموعي:
— كل ما تمشيه في العربية دي… احكي له عن طفل كان اسمه ياسين… وكان هو السبب إن الحاجة دي توصل له.
مسكت إيدي بجميلة ودعت لي من قلبها. ولأول مرة حسيت إن فيه حد حاسس بالنار اللي جواه صدري.
رجعت البيت ورجلي شيلاني. أكلت وجبة كاملة، وقعدت قدام التلفزيون لحد ما نمت على الكنبة وأنا مرتاحة… وماكنتش أعرف إن الصبح هيغير حياتي كلها.
صحيت تاني يوم الصبح على صوت جرس الباب بيرن بلهفة. قمت فتحت الباب مالقتش حد، بس لما بصيت على جنينة البيت… ذهلت!
الجنينة كانت مليانة بعشرات عربات الأطفال المترصصة في الهدوء، وجوة كل عربية كرتونة ورسالة. بدأت أفتح الصناديق صندوق صندوق؛ لقيتها كلها هدوم أطفال جديدة، ألعاب، وبطاطين، ومع كل صندوق ورقة من أب أو أم فقدوا ضناهم، كاتبين فيها قصتهم وبيطلبوا إن الأغراض دي تروح لأطفال محتاجين بدل ما تفضل حبيسة المقابر والذكريات المؤلمة.
وأنا بقرأ
ورسائلي نازلة على الورد، لقيت الجيران وأصحاب العربيات بيجمعوا قدام بيتي. جارتي “مدام ماجدة” قربت مني وقالت لي إن الست “زينب” راحت لجمعية خيرية في المنطقة وحكت لهم على اللي عملته معاها. الخبر اتنشر بين الناس، وكل الأسر اللي عاشت ألم الفقد قرروا يفتحوا الدولابات المقفولة ويطلعوا ذكريات ولادهم عشان تبدأ حياة جديدة لأطفال تانيين.
في الوقت ده، وصل “سامح” وعيونه مليانة ذهول ومسك أوراق بيع البيت في إيده. بصيت له بهدوء وقلت له:
— كنت فاكر إن البيت ده بقى مقبرة فاضية بتقتلنا… بس البيت النهاردة اتملا أمل وحياة.
قربت من أخر عربية في الجنينة، كانت عربية سوداء شيك، ماكنش فيها هدوم، بس كان فيها يافطة خشب صغيرة محفور عليها جملة واحدة:
“عربات ياسين”
(كل ما عيلة قدرت تتغلب على وجعها وتتبرع بحديث طفلها… الأمل هينور حياة طفل جديد).
ساعتها بس دموعي نزلت، بس كانت دموع راحة،