اغراض ابني حكايات زهره
شال الشنطة ومشي ناحية الباب، وقبل ما يخرج قال من غير ما يلف لي:
— كلمت سمسار في المنطقة… وهعرض الشقة والبيت للبيع.
صرخت:
— لا! مش هسيبك تاخد بيتي وذكرياتي!
بس الباب اتقفل وراه، والصوت ده كان معناه إن حياتي كلها اتهدت خلاص.
دخلت أوضة ياسين، قعدت على الأرض جنب السرير، وحطيت راسي على الخشب وهمست:
— سامحني يا حبيبي… كنت مستعدة أدفع عمري كله بس تفضل معايا.
اللعبة المعلقة فوق السرير اتهزت هزة خفيفة مع هواء التكييف، وكأنها بتبطبط عليا في صمت.
الليلة دي، أكلت بقسماطة بالعافية وأنا واقفة جنب حوض المطبخ. ما فتحتش تلفزيون، ولا رديت على اتصالات أمي اللي مابتخلصش. وكل ما أعدي من جنب الأوضة كنت بأغمض عيني… مش قادرة أبص. نمت
على ناحية سامح في السرير، لا دموع نزلت ولا نوم زار عيني.
لمحة نيوز
تاني يوم، كنت سايقة عربيتي في شوارع المعادي من غير هدف، لحد ما لمحتها… فتاة صغيرة في السن، قاعدة على الرصيف في الشمس ومستخبية جنب الحيطة، شايلة نونو صغير بين إيديها ومغطياه بحتة قماشة دايبة. وجنبها كرتونة مكتوب عليها بخط متلخبط: “محتاجة أي مساعدة عشان خاطر ابنها”.
وقفت بعيد أراقبها. فاتت ساعة… ساعتين… أنا أصلاً فقدت الإحساس بالوقت من يوم اللي حصل.
وفجأة، قلبي خد قرار أسرع من عقلي.
رجعت البيت جري، ودخلت أوضة ياسين ولأول مرة من يوم العزا. حطيت إيدي على الكرسي الهزاز وقلت:
— أنت مش هترجع يا ياسين… بس فيه طفل تاني بره محتاج كل حاجة هنا عشان يعيش. سامحني يا حبيبي، أتمنى ما تزعلش مني.
بدأت ألم كل حاجة في شنط كبيرة. الهدوم، الحفاضات، البطاطين، ولعبه، وحتى عربية الأطفال الكبيرة. ما احتفظتش غير بالزعبوط الصوف اللي أمي كانت حايصاه له، والبيجامة الصغيرة اللي لبسها في
المستشفى. والباقي كله حملته في شنطة العربية.
لما رجعت للست، رفعت رأسها بخوف.
قلت لها:
— أنا جبت شوية حاجات لطِفلك.
ردت بصوت واطي ومكسور:
— بس أنا معاييش فلوس أديكي والله…
ابتسمت من قلبي لأول مرة من أسابيع:
— وأنا مش عاوزة فلوس.
فتحت شنطة العربية. الست أول ما شافت كرتونة العربية والشنط والمستلزمات، وشها اتغير من الصدمة، وقالت والدموع في عينها:
— الحاجة دي كتيرة أوي وعالية عليا… مش هقدر أقبل ده كله!
رديت بصوت مبحوح: