الراجل الى دمر حياتي

أنبوبة تنفس، وأنابيب صدر، وضُمادات مالية جسمه.

فتح عينيه أول ما شافني.

وقال بصوت متقطع:

”

إنت… اللي عملتلي العملية.”
“أيوه.”

ابتسم ابتسامة كلها وجع.

“كان المفروض تسيبني أموت.”

قلت ببرود:

“إحنا الدكاترة ما بنختارش مين يعيش ومين يموت.”

بصلي وقال:

“أيوه…

إنت عمرك ما كنت من النوع ده.”

وقفت عند آخر السرير.

“كنت عايزني ليه؟”

بص ناحية كاميرا المراقبة…

وبعدين رجع بصلي.

وقال:

“إنت مش اسمك كريم الحسيني.”

دقات قلبي بطّلت للحظة.

قلت بسرعة:

“واضح إن المخدر لسه مأثر عليك.”

هز راسه بالعافية.

“اسمك الحقيقي…

كريم عبد الرحمن منصور.”

الأرض اتهزت تحت رجلي.

“عبد الرحمن منصور”…

ده كان اسم جدي من ناحية أمي.

وده الاسم اللي كان مكتوب في شهادة ميلادي الأصلية…

قبل ما أبويا يغيره رسمي بعد ما تبناني وأنا عندي تلات سنين.

السر ده…

حتى أختي ندى ما تعرفوش.

أنا عرفته بالصدفة وأنا عندي ستاشر سنة لما لقيت ورق قديم في درج أمي.

وساعتها ترجتني ما أفتحش الموضوع…

لأن أبويا كان معتبرني ابنه من يوم ما فتحت عيني على الدنيا.

بصيتله وأنا مصدوم.

“إنت عرفت الاسم ده منين؟”

نفسه بقى أتقل.

وقال:

“أبوك… هو اللي قالهولي.”

صرخت من غير ما أحس:

“أبويا كان بيكرهك!”

بصلي بثبات وقال:

“لأ…

أبوك كان محتاجك تفضل فاكر إنه بيكرهني.”

حسيت إن قلبي هيقف.

“إنت بتخرف.”

بص تاني للكاميرا…

وقال بصوت واطي:

“لو الدكتور رؤوف عزام عرف إني عايش…

هيحاول يخلص عليّا المرة دي.”

الدكتور رؤوف عزام…

كان مدير المستشفى.

ونفس دكتور العظام الشاب اللي كان بيعالج أختي بعد الحادثة.

أبويا طول عمره كان بيقول إنه أشرف راجل قابله في الليلة السودة دي.

محمود مدّ إيده المرتعشة.

قربت منه من غير ما أحس.

مسك معصمي وقال:

“الحادثة اللي خلت أختك على الكرسي…

ما كانتش حادثة.”

جهاز

القلب بدأ يصرخ.
وهو كمل آخر جملة…

“وأنا…

ما كنتش اللي سايق العربية.”

كانت كلمات محمود بمثابة الصاعقة التي أطاحت بكل ذكرياتي عن ذلك اليوم الأسود. لم تكن مجرد حادثة، بل كانت تصفية حسابات، والدي لم يكن الرجل المظلوم، بل كان شريكاً في سرٍّ أخطر مما تخيلت.
تعلقت عيناي بجهاز مراقبة القلب وهو يطلق صرخات متقطعة، ومحمود بدأ يغيب عن وعيه مجدداً بسبب الإجهاد. خرجت من الرعاية كالمجنون، لا أريد رؤية أحد. كان “رؤوف عزام” يتمشى في الممر، بابتسامته الواثقة التي تبدو الآن وكأنها قناع شيطاني.
“دكتور كريم! أخبار المريض؟” سألني رؤوف بصوت هادئ ومريب.
لم أجبه. اتجهت مباشرة لمكتبي، أغلقت الباب بالمفتاح، وأخرجت حافظة محمود التي كنت قد احتفظت بها في جيبي. في بطانة الجلد، وجدت ورقة مطوية بعناية. كانت رسالة بخط يد والدي، موجهة لمحمود، مكتوب فيها: *”إذا وقع هذا في يد كريم، فاعلم أن الحقيقة هي السجن الوحيد الذي سيحرره.”*
لم تكن أسراراً إجرامية، بل كانت “وصية”. والدي كان مسؤولاً مالياً في المستشفى قديماً، واكتشف أن رؤوف عزام كان يختلس مبالغ ضخمة من ميزانية الأبحاث، وعندما حاول والدي إيقافه، قام رؤوف بافتعال “الحادثة” لترهيب والدي، لكن الهدف أخطأ طريقه ليصيب ندى. والدي خضع لابتزاز رؤوف طوال هذه السنوات، واضطر لتبنيّ (أو بالأحرى، كان كريم في الأصل ابن صديق مقرب لوالدي توفي في حادث آخر، فتبناه والدي لإخفاء علاقته بملفات الفساد).
فجأة، انقطع التيار الكهربائي عن المستشفى. ظلام دامس.
سمعت وقع أقدام في الممر. رؤوف عزام يعرف أن محمود قد تكلم، وهو الآن في طريقه لإنهاء “الشاهد الوحيد” ولإسكاتي.
خرجت من باب الطوارئ الخلفي، وتوجهت لغرفة المولدات. وجدت رؤوف هناك، ومعه شخصان يرتديان ملابس أمن المستشفى. كانا

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *