بعد تلت سنين
بعد 3 سنين في السجن، رجعت البيت وكل اللي نفسي فيه إني أرمي نفسي في حضن أبويا… لكن مرات أبويا فتحت الباب وقالتلي ببرود: “أبوك مات من سنة… والبيت ده بقى بتاعي.” سبتها ومشيت على المقابر، وفي جيبي مفتاح قديم… وماكنتش أعرف إن الغفير هيهمسلي بكلمتين هيقلبوا حياتي كلها.
“أبوك مات من سنة يا سيف… والبيت ده مبقاش ليك. فبلاش تعمل مشاكل، ولم هدومك وامشي.”
قالتها سهير وهي باصة في عيني من غير ذرة شفقة.
لسه خارج من سجن وادي النطرون بعد ما قضيت 3 سنين في قضية سرقة أقسمت قدام ربنا والناس إني مظلوم فيها.
على ضهري شنطة قديمة، ولابس هدوم مستعارة، وإيدي بترتعش وأنا واقف قدام البيت اللي اتولدت واتربيت فيه.
ألف خمسة وتسعين ليلة…
كل ليلة كنت بتخيل أبويا هو اللي هيفتحلي الباب.
كنت شايفه قاعد على
الكنبة الجلد القديمة، وبصوته الهادي يقوللي:
“استحمل يا ابني… الحق عمره ما بيضيع.”
كنت محتاج أصدق إن الحاج كمال منصور لسه عايش.
لكن أول ما دخلت شارع بيتنا في المعادي، حسيت إن المكان كله غريب.
واجهة البيت ادهنت لون رمادي شيك.
شجر الورد اللي أبويا كان بيعتني بيه كل يوم اختفى.
قدام البيت كانت واقفة عربية SUV بيضا فخمة، وجنبها سيدان حمرا معرفهاش.
حتى باب البيت اتغير، واتركب باب أسود مودرن ببصمة إلكترونية.
هو نفس البيت…
بس روحه ماتت.
خبطت على الباب.
مش خبطة ضيف…
دي كانت خبطة ابن راجع بيته.
فتحت سهير.
لابسة فستان أخضر غالي، وشعرها معمول عند الكوافير، وحاطة حلق لولي كبير.
بصتلي من فوق لتحت كأني شحات واقف على الباب.
وقالت وهي متضايقة:
“خرجوك بدري عن اللي كنت متوقعة.”
قولتلها بسرعة:
” أبويا فين؟”
نفخت بضيق.
“اتوفى من سنة. سرطان. المرض خلص عليه بسرعة… وربنا يرحمه وخلاص.”
رجليا مبقتش شايلاني.
حسيت الأرض بتميد بيا.
قولتلها بصوت مكسور:
“وماحدش بلغني؟! حتى مخلتونيش أشوفه آخر مرة؟!”
ابتسمت ابتسامة مستفزة.
“يا سيف… إنت كنت في السجن بتهمة إنك سرقت شركة أبوك. فاكر يعني إنه كان نفسه يشوفك في جنازته؟”
قولتلها وأنا باكتم غضبي:
“أنا ما سرقتش حاجة.”
ردت بمنتهى البرود:
“قلت الكلام ده في المحكمة… وماحدش صدقك.”
حاولت أبص جوه البيت.
اتصدمت.
صور أمي اختفت.
الصورة الكبيرة اللي كانت معلقة لأبويا مش موجودة.
حتى الطاقية اللي كان بيلبسها كل يوم راحت.
العفش كله اتغير، وبقى كله مستورد، وريحة معطر الجو مالية المكان بدل ريحة القهوة اللي كان أبويا بيعملها كل صبح.
قولتلها:
“سيبيني أدخل. .. عايز أشوف أوضة أبويا بس.”
ردت من غير ما ترمش:
“مبقاش فيه أوضة لأبوك. كسرتها وعملتلها تجديد.”
في اللحظة دي…
نزل كريم من على السلم.
ابن مرات أبويا.
نفس الشخص اللي كان غرقان ديون وقمار طول عمره.
ابتسم بسخرية وقال:
“أهو البطل رجع… جاي يدور على الورث.”
اتحركت ناحية الباب.
لكن سهير وقفت قدامي ومنعتني.
وقالت وهي مشيرة بإيدها ناحية الشارع:
“لو فكرت تقرب من البيت ده تاني هبلغ الشرطة. ومع السابقة اللي عندك… محدش هيصدقك.”
وقفلت الباب في وشي بهدوء.
ولا صرخت…
ولا خبطت.
لفيت وشي، ومشيت على مقابر الأسرة في مدينة نصر.
أبويا كان دايمًا يقول إنه عايز يتدفن جنب أمي.
كنت محتاج أشوف اسمه مكتوب على شاهد القبر.
وأنا ماشي بين المدافن…
وقفني غفير عجوز.
قاللي:
“بتدور على مين يا ابني؟”
قولتله:
” الحاج كمال منصور… مراته قالتلي إنه مدفون هنا.”
العجوز بصلي بنظرة غريبة.