اماني السيد ج٢
مرت الشهور الستة وكأنها حلم طويل فوقت منه على حقيقة جديدة تماماً. شقتي رجعت لي، وبقت مملكتي الصغير أنا وولادي، مفيهاش صوت زعيق، ولا تهديـ ـد، ولا خوف من بكرة. نزلت شغلي وركزت فيه وبقى كل همي إني أأمن مستقبل ولادي وأعوضهم عن أي نقص أو كسر عاشوه.
أما رزق، فبعد ما قضى عقوبته وطبعاً اتفصل من شركته بسبب الحبس والفضيحة اللي سمعت في كل مكان، خرج بني آدم تاني خالص.. مكسور، مطأطأ الرأس، والغرور اللي كان سايقه اتمحى تماماً. جيهان طبعاً نفضت إيدها منه أول ما لقت المركب بتغرق، ودورت على مصلحتها في مكان تاني، وسابته بطوله يدوق من نفس الكأس اللي سقاني منه.
في يوم وأنا راجعة من بره ومعايا ولادي، لقيت واقف جنب باب العمارة.. خاسس، ومبهدل، وهدومه دبلانة. أول ما شافني، جري عليا ودموعه في عينه، ووطى على إيدي عايز يبوسها قدام الناس وهو بيترجاني: “سامحيني يا لمار.. أنا اتعاقبت ودوقت الويل، والكل اتخلى عني ومبقاش ليا حد في الدنيا دي غيرك أنتِ وولادي.. ارجعيلي ونبدأ من جديد وأبوس رجلك بلاش تضيعينا.”
بصيت له بمنتهى الشفقة.. مش شفقة حب أو حنين، لأ، شفقة على بني آدم ضيع نفسه بإيده. زقيت إيده بالراحة ووقفت ولادي ورا ضهري وقلت له بكلمات حاسمة وقاطعة:
“رزق.. لمار اللي كانت بتصحى من النجمة عشان تعمل لك اللانش بوكس وتدور على رضاك ماتت يوم ما اتمت إيدك عليها وهنت كرامتها. إحنا خلاص مابقاش بيننا غير الولاد دول، هتشوفهم في حدود القانون والشرع، وتدفع نفقتهم وإنت ساكت. غير كده، أنت مالكش وجود في حياتي.. اللي يتكسر في القلوب مبيصلحوش دكتور تجميل يا رزق.”
أخدت ولادي في إيدي، وطلعت السلم وأنا سامعة صوت عياطه في الشارع، بس قلبي ما تحركش فيه سم واحد. فتحت باب شقتي، ودخلنا في الدفا والأمان. بصيت للمطبخ وابتسمت، وبقيت عارفة ومكتفية وبقول لنفسي: “الحكاية مش حكاية سندوتش بانيه أو بوفتيك.. الحكاية حكاية أصل وصون عشرة، واللي ما يصونش النعمة.. يستاهل تزول من وشّه.”