اماني السيد ج٢

سمعت نفسها اتكتم على الناحية التانية والضحكة الصفرا اختفت فجأة، فكملت كلامي ومنحتهاش فرصة تنطق:
“اسمعي يا شاطرة.. رزق اللي قاعد معاكي ده، مديت إيدي عليه وطردته برة بيتي وبقسيمة رجولته اللي سقطت من نظري. وإيده اللي اتمدت عليا عشان خاطر سواد عيون الشغل والمظاهر الكدابة قدامك، أنا لسه راجعة حالا من القسم وعملت له بيها محضر اعتداء وتقرير طبي بكسر سنتي، وهجرجره في المحاكم وأخليه يلف حوالين نفسه. فلو هو صعبان عليكي قوي كملي جميلك واكفليه، لأن البيت ده عتبته حرمت عليه ليوم الدين!”
وقبل ما تنطق بكلمة واحدة، رزعت الخط في وشها وقفلته خالص. حسيت بنشوة انتصار غريبة، أكن الرد ده رجع لي نص حقي منها ومن برودها وقصر رقبتها هي وهو.
ما مرتش نص ساعة، ولقيت التليفون عمال يرن ورا بعضه.. المرة دي رقم رزق. فتحت الخط من غير ما أتكلم، فجالي صوته المرعوب، المهزوز، اللي ضاعت منه كل نبرة الجبروت بتاعة امبارح، وقال بتلعثم وخوف حقيقي:
“لمار.. إنتي عملتي محضر بجد؟ إنتي اتجننتي يا لمار؟ عايزة تخربي بيتي ومستقبلي وتفضحيني في الشغل وتضيعي وظيفتي عشان خاطر خناقة؟”
رديت عليه بمنتهى الثبات والهدوء القاتل: “إنت اللي خربت كل حاجة يا رزق يوم ما نسيت إن عندك زوجة وأولاد، ويوم ما فكرت إن كرامتي سهلة أو إني هفوت لك الإهانة والضرب. المحضر خلاص اتعمل، ومحاميتي هتبدأ إجراءات النفقة والطلاق، والست جيهان بتاعتك خليها تنفعك وتدور لك على محامي شاطر، لأن أيامك الجاية معايا مش هتشوف فيها غير الوش اللي عمرك ما تخيلت إن لمار ممكن تلبسه!”
رزق قفل السكة وهو بيشتم ويسب، وأنا رميت التليفون على الكنبة وبدأت أتحرك في الشقة وأنا حاسة بروح جديدة بتدب فيا. الولاد كانوا ناموا، ودخلت قعدت في البلكونة ومعايا كوباية القهوة السخنة بتاعتي، وبصيت للسما وقلت: “يا رب، أنا ما ظلمتوش، هو اللي ظلم نفسه وظلمنا معاه، فقويني على اللي جاي عشان خاطر ولادي”.
تاني يوم الصبح، نزلت قابلت أستاذ فريد المحامي في مكتبه. أول ما دخلت وشاف التقرير الطبي ومحضر الشرطة، ابتسم وقال لي: “برافو عليكي يا مدام لمار، إنتي كده حطيتيه في خانة اليك. المحضر ده هيمشي في مساره الجنائي، وده كفيل يخليه يدور عليكي يطلب الرضا عشان ما يتفصلش من شغله أو يتحبس. ودلوقتي إحنا هنرفع قضايا النفقة، ونفقة المتعة، ومؤخر الصداق، وتمكين من شقة الزوجية”.
وأنا خارجة من مكتب المحامي، تليفوني رن تاني.. المرة دي كانت حماتي!
حماتي اللي عمرها ما كلمتني بكلمة طيبة، واللي دايماً كانت شايفاني مقصرة في حق ابنها. فتحت الخط وجالي صوتها اللي متحول فجأة لـ حنية مزيفة: “إزيك يا لمار يا بنتي؟ عاملة إيه وعيالك عاملين إيه؟”
رديت برسمية شديدة: “الحمد لله يا طنط، خير في حاجة؟”
قالت لي بلؤم: “جرى إيه يا بنتي؟ رزق جالي امبارح بالليل متبهدل وشنطته في إيده، وحكالي على الشوشرة اللي حصلت. معلش يا لمار، يا بنتي البيوت أسرار، والراجل مهما غلط ملوش غير بيته ومراته، والست العاقلة تلم جوزها وما تفضحوش في وسط الناس وعشان خاطر عيالك بلاش موضوع المحاكم والمحاضر ده، ده ابن حلال ومبيفوتش فرض، ودي نزوة وشيطان ودخل بينكم!”
ضحكت بسخرية وقلت لها: “نزوة وشيطان يا طنط؟ ابنك المحترم المحافظ على فرضه مد إيده عليا وكسر سنتي بالنص وبهدل ضهري عشان خاطر لقمة بياكلها من ورايا مع زميلته في الشغل! ابنك كان بياخد شقايا وتعب فجري عشان يظهر بيه قدام الهانم، ولما جيت في يوم عملت أكل على قده، ضربني وأهانني في بيتي! فين بقى الأصول اللي بتتكلمي عنها؟”
حماتي سكتت لحظة وصوتها اتقلب وظهرت على حقيقتها وقالت بعصبية: “وجرى إيه يعني لما يمد إيده؟ ما ياما ستات انضربت وبيوتها عمرت! وإنتي أصلاً نكدية وما بتستحمليش، وعايزة تخربي بيتك وتفضحي ابني وتضيعي مستقبله عشان حتة سنة؟”
قلت لها بمنتهى البرود: “ابنك مستقبله ضاع بإيده هو مش بإيدي أنا، والمحكمة هي اللي هتحكم بيننا. وفرّي كلامك يا طنط، وابنك مش هيدخل البيت ده تاني إلا على نقالة!” وقمت قفلة السكة في وشها هي كمان.
مرت الأيام، ورزق حاول يبعت لي ناس من قرايبه يتوسطوا، وحاول يكلمني ويعيط ويقولي إنه ندمان وإن جيهان دي اتقطعت علاقتها بيه تماماً بعد ما المحضر سمع في الشركة والكل عرف الفضيحة، بس أنا كنت زي الصخر.
لحد ما جه يوم الجلسة الأولى في المحكمة.. وأول ما دخلت القاعة وعيني جت في عينه، شفت رزق بشكل تاني خالص. مكنش رزق الفرعون اللي كان واقف في الصالة بيهددني ويضربني.. كان واقف كش الميت، عينه مكسورة، وشه باهت، وباصص لي بنظرة رجاء وتوسل أكنه بيشحت مني نظرة رضا واحدة.
وقفت في نص القاعة بكل شموخ، رافعة راسي وابتسامتي مرسومة على وشي بسنتي اللي رجعت أحسن من الأول بفضل دكتور التجميل. كان أستاذ فريد واقف جنبي ومجهز كل الأوراق؛ محضر الاعتداء، والتقرير الطبي، وقضايا النفقة والتمكين.
رزق أول ما شافني، حاول يتحرك ناحيتي وخطواته كانت بتترعش، نادى عليا بصوت مخنوق ومكسور: “لمار.. عشان خاطر ولادنا، بلاش نوصل لحيطة سد، أنا مستعد أعملك كل اللي أنتِ عايزاه، بس اتنازلي عن المحضر الجنائي.. دي فيها حبس وفصل من الشغل وخراب مستقبلي!”
بصيت له من فوق لتحت ونظرتي كانت كفيلة تخليه يصغر في مكانه، وقلت له بنبرة واضحة ومسموعة لكل اللي واقفين: “مستقبلك أنت اللي ضيعته بإيدك يوم ما هانت عليك أم ولادك وصانت بيتك وشقاك. ولادنا هيربوا بعيد عن أب ملوش أمان، أب يبيع مراته وبيته عشان لقمة يتمنظر بيها قدام الغرب”.
دخلنا قدام القاضي، وأستاذ فريد بدأ يتكلم ويشرح المأساة اللي عشتها، وقدم التقارير الطبية اللي بتثبت وحشية الاعتداء، ومعاها شهادة المحضر. محامي رزق حاول يلف ويدور ويقول إنها خلافات زوجية عادية وإن الزوج كان في حالة عصبية، بس القاضي بصلّه بنظرة حازمة وسكته تماماً.
القاضي وجه كلامه لـ رزق وسأله: “الكلام اللي في التقرير الطبي ده صحيح؟ أنت ضربت زوجتك لدرجة كسر أسنانها؟”
رزق وقف وشه في الأرض، عاجز عن النطق، ودموعه بدأت تنزل من الخوف والكسرة.. الدموع اللي عمري ما شفتها منه وهو عايش دور الفرعون عليا في البيت. أومأ براسه وهو بيقول بصوت مش مسموع: “حصل يا فندم.. بس كنت غضبان”.
بعد المداولة، صدر الحكم اللي برد لي اعتباري وشفى غليلي. المحكمة حكمت بحبس رزق ست شهور مع الشغل والنفاذ في القض*ية الجنائية، مع إلزامه بكافة النفقات الشرعية من نفقة عدة ومتعة ومؤخر، وتمكيني الكامل من شقة الزوجية أنا وولادي.
أول ما النطق بالحكم طلع، حسيت كأن جبل انزاح من فوق صدري. رزق انهار وبقى يصرخ ويبكي وهو بيترجاني قدام العساكر وهم بياخدوه عشان يتكلبش: “سامحيني يا لمار! بلاش تحبسيني.. هضيع!”
لفيت ضهري ليه ومشتيت، مالتفتش ورايا ولا للحظة واحدة.
خرجت من باب المحكمة، والنفس اللي أخدته كان بطعم الحرية والانتصار. ركبت عربيتي ورحت على ولادي، أخدتهم في حضني وأنا ببتسم وبقول لنفسي: “النهاردة بس، لمار بدأت تعيش بجد.. واللانش بوكس مش هيتعمل تاني غير للناس اللي تستاهل وتصون”.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *