مرتب جوزي ج٢ زهره
وقبل ما ينطق بأي كلمة ثانية، كملت كلامي والصدمة الأكبر نزلِت عليه زي الصاعقة:
“وعلى فكرة بقى.. عشان تبقى الصورة كاملة قدامك ومنقعدش نلف وندور كتير.. أنا قررت مش هشتغل تاني!”
حازم اتسمر في مكانه، وبلم تماماً وقال بصوت واطي من كتر الصدمة:
“أنتي بتقولي إيه؟ مش هتشتغلي تاني إزاي؟ ووظيفتك؟”
قلت له بكل ثقة:
“زي ما سمعت كده، أنا النهاردة هقدم إجازة بدون مرتب، وبعدها هقدم استقالتي لو الأمور مشيت.. أنا مبقتش قادرة أوفق بين الشغل والبهدلة برا، وبين تربية تلات عيال ومصاريفهم ومذاكرتهم وجري البيت جوا.. صحتي مبقتش جايبة، وطالما الشغل مش مخليني محترمة في بيتي وبتعامل على إني (بنك) متنقل وجوازة مصلحة عشان المرتب، يبقى بناقص منه الشغل ده خالص! أنا هقعد في بيتي هانم برنسيسة، أربي عيالي وأطبخ وأغسل، وأنت كراجل البيت والمسؤول الوحيد عننا قدام ربنا وقدام القانون، تتفضل مشكوراً تتصرف وتصرف علينا من ألفها لياءها!”
حازم حس إن الأرض بتلف بيه، وبص لي وهو مش مصدق إن “سناء” الوديعة العاقلة اللي كانت بتستحمل كل حاجة، هي الست اللي واقفة قدامه دلوقتي وبترد له الصاع صاعين بذكاء ودبلوماسية وهدوء قاتل. سيبته واقف في الصالة بيكلم نفسه والدموع قريبة من عينه من قلة الحيلة، ودخلت الأوضة وقفت ورا الباب وأنا حاسة لأول مرة من سنين
إني بتنفس هوا نضيف!
خرج حازم من الشقة وهو بيجر رجليه، الدنيا كانت سودا في عينه، والأسئلة عمالة تخبط في دماغه زي الشاكوش. هيروح فين؟ وهيتصرف إزاي؟ العيال واقفين في الشارع مستنيين يروحوا المدرسة، ومفيش في جيبه تمن تذكرة أتوبيس! ملقاش قدامه غير حل واحد، حل مر علقم على قلبه، بس مفيش بديل.. هيروح لأمه.
ركب مواصلات بالعافية بقرشين كانوا فكة في درج المكتب، ووصل بيت أمه. دخل والشيطان بينط قدام عينه. أم حازم أول ما شافته، فرحت وقالت له بمنتهى العشم:
“أهلاً يا حازم يا حبيبي، إيه اللي جابك بدري كده؟ الشغل جرى له حاجة ولا إيه؟”
حازم قعد على الكرسي ونفخ بضيق، وشه كان مبلم، وقال بصوت مخنوق:
“أمي.. أنا واقع في مصيبة ومحتاج الفلوس اللي اديتهالك امبارح.”
حماته حطت إيدها في وسطها ولوت بوزها وقالت:
“نعم؟! فلوس إيه يا واد أنت اللي عايزها؟ أنت هترجع في كلامك معايا؟ مش إحنا اتفقنا إن مرتب سناء هيكفيكم؟”
حازم اتنرفز وصوته علي لأول مرة:
“سناء حولت مرتبها كله لأمها الصبح يا أمي! وقعدت في البيت وقدمت إجازة ومش هتنزل الشغل تاني! بيتي هيتخرب، والعيال مش لاقيين ياكلوا ولا يروحوا مدارسهم، وأنا معيش مليم في جيبي! أنا عايز المرتب بتاعي، وهسيب لك منه مبلغ بسيط تمشي بيه حالك، لكن الباقي لازم آخده حالاً عشان أنقذ بيتي من الضياع!