5 عيال ج2 اماني السيد

وفي يوم من الأيام، كنت قاعدة وسط ولادي في صالة بيتنا المنور، بنضحك ونرتب لفرح بنتي الكبيرة، والبيت مليان بهجة وحركة، والكل مشيلش هم حاجة. فجأة جرس الباب رن.. قمت أفتح وأنا مبتسمة، بس أول ما فتحت الباب، الضحكة اختفت من على وشي من الصدمة.
كان واقف قدامي راجل عجوز، ضهره منحني، وشه دبلان ومليان تجاعيد، وهدومه متبهدلة.. مفيش فيه أي أثر من الراجل الشيك اللي كان بيجي يرمي الفلوس بتكبر وريحة برفانه تسبقه. كان هو.. أبوهم!
بص لي بعيون مكسورة ومليانة دموع، وصوته كان بيترعش وهو بيقول: “سامحيني يا أماني.. سامحيني يا أم أولادي”.
وقفت مكاني باردة، مش حاسة بكرْه ولا بحقد، حاسة بس بشفقة على منظره. سألته بمنتهى الهدوء: “عايز إيه يا ابن الناس؟ وجاي ليه بعد السنين دي كلها؟”
بكى بحرقة وقال لي إن مراته التانية اللي اختارها عشان شكلها وجسمها، وعشان متخلفش، أول ما كبر في السن وبدأ يمرض ، وصحته تروح وفلوسه تقل، رمت حاجته برا وطردته، وقالت له إنها مش مجبرة تعيش مع راجل عاجز وتضيع عمرها معاه. قال لي وهو بيبكي: “عرفت قيمتك وقيمة العيال.. أنا ضيعت عمري في وهم، والنهاردة ملقتش حد يسأل عليا ولا يواسينى في تعبي.. أنا جاي وعايز ولادي يسامحوني ويقفوا جنبي، هما عزوتي”.
في اللحظة دي، ولادي الخمسة كانوا واقفين ورايا، طول بعرض، رجالة وبنات يملوا العين. بصوا له بنظرات غريبة.. مفيهاش غل، بس مفيهاش أي مشاعر؛ لأنهم ببساطة ميعرفوش الراجل ده، هو بالنسبة لهم كان مجرد “حوالة بنكية” بتيجي أول الشهر وانقطعت، مش الأب اللي شال وحمى وسند.
بنتي الكبيرة قربت مني، حطت إيدها على كتفي بكل فخر، وبصت له وقالت بمنتهى الأدب والحسم: “إحنا مش هنرميك في الشارع، لأن أمنا علمتنا الأصول والدين، وإحنا بنخاف ربنا.. إحنا هنوفرلك مكان تعيش فيه، وعلاجك ومصاريفك هتوصلك لحد عندك كل شهر وأنت معزز مكرم.. بس مكانك وسطنا وفي قلوبنا مابقاش موجود، إحنا عشنا وتعبنا وكبرنا مع أمنا بس، وهي دي عزوتنا الوحيدة”.
قفلنا الباب وبصيت لولادي وأنا دموع الفرحة والجبر في عيني. دارت الدنيا ولفّت، والراجل اللي قفل الباب في وشي زمان عشان شكلي وجسمي هلكوا من الخلفة، رجع يدور على ريحة العيال اللي استكترهم عليا.. رجع وهو مكسور ووحيد، وأنا واقفة في قمة نجاحي، محاوطة بـ 5 جبال، هما سندي وتأجي وعزوتي الحقيقية في الدنيا.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *