امبراطوريه من طين ج1 شروق خالد

رجعت البيت وأنا مستني إهانة جديدة، أوضة فاضية تانية، وتذكير جديد بأن كل الناس سابوني لوحدي. بس بدال كل دة، لقيت الشغالة واقفة في أوضة الضيوف وحواليها تلال من الفلوس الكاش، وتقارير البنوك، وصناديق متلتلة ورق ومستندات. للحظة افتكرتها سرقتني، بس رضا بصت في عيني وقالت بثبات: “كل جنيه هنا بتاعك أنت يا فريد بيه”.
في سن الثامنة والخمسين، بقيت من نوعية الرجالة اللي الناس بتجيب سيرتهم في السر ومن ورا الأبواب المقفولة.
من سنة واحدة بس، كان اسمي ليه هيبة في القاهرة. فريد الهواري. حوت المقاولات. الراجل اللي بنى أبراج التجمع، ومنتجعات الساحل الشمالي، والكومباوندات الفخمة من أول أكتوبر لحد الإسكندرية. الوزراء والمسؤولين كانوا بيتسابقوا يسلموا عليا، والمستثمرين بياكلوا بعض عشان يصحوا ليهم كرسي على سفرتي، وسيدات المجتمع بيضحكوا على نكتي البايخة اللي أنا نفسي عارف إنها مش بتضحك.
وبعدين.. الإمبراطورية دي كلها اتهدت على دماغي.
تلاتة من الشركاء الكبار بتوعي فص ملح وداب، بعد ما سحبوا ملايين من حسابات الشركة عن طريق رخص مزورة، وعقود وهمية، وشركات واجهة. القضايا نزلت عليا زي المطر، وبعدها الحجز على الأموال، وبعدين تحقيقات النيابة. كل القنوات والبرامج بقت تعيد وتزيد في اسمي وجنبه كلمات زي “نصب”، “فساد”، و”إفلاس”.
قصر التجمع نجا من الحجز.. بأعجوبة.
بس كل حاجة تانية ضاعت.
العربيات الفارهة راحت الأول، وبعدها الشاليهات، وبعدها اليخت. ومراتي، ناهد هانم، استحملت بالظبط أسبوعين قبل ما تلم هدومها البراند ومجوهراتها، وتمشي مع محامي طلاق كان بيقعد معايا وهو مبتسم ابتسامة واحد بيعد عمولته مقدمًا.
شخص واحد بس رفض يمشي.
الست رضا.
كانت بتيجي كل يوم قبل الشروق بنفس العباية الكحلي الدبلانة، شعرها اللي غزا الشيب نصه ملموم لورا بنظام، وإيديها الخشنة من الشغل بتبدأ تنضف قبل ما أنا حتى أملك القدرة إني أفتح عيني وأواجه يوم جديد.
بقالها 15 سنة بتنضف قصري في هدوء تام لدرجة إنها كانت شبه غير مرئية. بتطبخ أكلي، تلمع الرخام، تسقي الزرع، وتعمل نفسها مش سامعاني وأنا بعيط في مكتبي بعد نص الليل.
#حكايات_شروق_خالد
في صباح يوم ممطر ومكتئب، الكبرياء والكسرة أجبروني إني أتكلم.
قولتلها وأنا ببص لكوباية القهوة الباردة: “يا رضا.. أنا مش هقدر أدفع لك مرتبك تاني”.
حطت صينية الفطار بالراحة ومن غير ما تتكلم.
كملت بمرارة: “لازم تمشي قبل ما ييجوا ياخدوا المكان دة كمان، أنا مديون لك بمرتب كام شهر فاتوا”.
رضا بصت لي بنظرة حزن عميقة لدرجة إنها استفزتني.
قالت بصوت واطي: “أنا عارفة مكاني فين يا فريد بيه”.
ضحكت بوجع: “هنا؟ مع راجل عجوز مشطب ومفلس؟”
قالت برقة: “أيوة.. بالذات هنا”.
ردها دة قلقني أكتر من تهديدات الديانين.
سألتها: “ليه؟ كل الناس مشيت وسابتني”.
رضا ربطت إيديها على المريلة وقالت: “عشان لما البيت بيقع.. لازم حد يفتش وسط الأنقاض”.
وقبل ما أسألها قصدها إيه، تليفوني رن.
كان شريف بهجت، صاحب عمري من أيام الجامعة، بيتكلم بنبرة كلها طيبة مزيفة لواحد بيعمل واجبه بالعافية.
“فريد يا صاحبي! لازم تيجي تتعشى معايا بكرة، مراتي بتسأل عليك كل شوية”.
كنت هرفض.
الشفقة ليها ريحة، وأنا شميتها في صوته فورًا.
بس لما قفلت، رضا كانت واقفة على باب المطبخ وبتبص لي.
“لازم تروح”.
تفت بمرارة: “أروح ليه؟ عشان يقعدوا يبصوا للملياردير المفلس ويعملوا نفسهم مش واخدين بالهم؟”
كملت غسيل المواعين وقالت: “أنت بتتصرف كأنك واحد بيتدرب على جنازته”.
تاني يوم بالليل، رضا صلحّت لي بدلة رمادي قديمة لحد ما بقت تنفع تلبس. أخذت عربية شاهين قديمة ومتهالكة كانت بتزيق عند كل إشارة مرور، وسوقت لحد بيته.
لما وصلت فيلا شريف، النور برة كان مطفي تمامًا.
ولقيت ورقة متطبقة تحت الباب.
“فريد.. ظرف طارئ في العيلة واضطرينا نمشي فجأة. هكلمك بعدين. معلش”.
#حكايات_شروق_خالد
قريتها مرتين.
مكنش فيه ظرف طارئ ولا حاجة.
دي كانت إهانة متغلفة بذوق وكدب.
رجعت البيت وأنا كابس على الدريكسيون بإيديا لدرجة إن صوابعي اتشنجت.
القصر كان هادي بشكل غريب لما دخلت. مفيش صوت راديو من المطبخ، مفيش ريحة أكل، ومفيش رضا وهي بتدندن بصوت واطي وهي بتنضف.
ناديت: “رضا؟”
محدش رد.
طلعت السلم، وحاسس بتقل في صدري من التعب. في نص الممر بتاع الدور الفوقاني، لمحت نور طالع من تحت باب أوضة الضيوف.
الباب كان موارب سنة.
زقيته وفتحته.
وفجأة.. نسيت إزاي أتنفس!
الأوضة كانت متبهدلة فلوس.
رزم الفلوس الكاش كانت مغطية السرير كله. صناديق غرقانة دفاتر حسابات، وتقارير بنكية، وعقود، وفلاشات، وظروف مقفولة بالشمع الأحمر. رضا كانت واقفة في نص المعمعة دي، لابسة جوانتي في إيديها، ووشها هادي بس خالي من التعبير.
مسكت في حلق الباب وأنا مذهول: “رضا.. أنتِ عملتي إيه؟”
لفت ليا بالراحة.
“كل جنيه هنا بتاعك أنت يا فريد بيه”.
ريقي نشف ومبقتش عارف أنطق.
رفعت ملف من وسط الحوار دة كله وحطته بين إيديا اللي كانت بترتعش.
قالت: “شركائك مهربوش بفلوسك يا بيه.. دول خبوا الفلوس كلها في حسابات برة باسم ناهد هانم مراتك”.
الأوضة بدأت تلف بيا.
“ناهد؟”
رضا هزت راسها بأيوة.
“وشريف بيه بهجت هو اللي ساعدهم يهربوها”.
قلبي وقف.
شريف.. عزومة العشا.. الظرف الطارئ الكداب.. والورقة.
وقبل ما أستوعب الصدمة، أنوار حمرا وزرقا بدأت تنور وتطفي على شبابيك الأوضة من برة.
صوت سرينات عربيات البوليس كانت داخلة من بوابة القصر وبتفرمل برة.
رضا بصت لي، وبعدين بصت للفلوس، وهمست بصوت مرعوب: “عرفوا إني لقيت مكانها!”
#حكايات_شروق_خالد

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *