يوم انقلبت السفره ج1
“ضربني عشان يرضي أمه.. فقررت أدوقه طعم الشوربة السخنه على دماغه!”
الجزء الأول
— “لو مش قادرة تغرفي طبق رز لابني الصغير، يبقى لا تنفعي زوجة ولا تنفعي ست بيت.”
الجملة دي نزلت على ترابيزة السفرة زي الرصاصة. ماريانا وقفت مبهوتة، وإيديها لسه مبلولة من غسيل المواعين. هي ما بقالهاش غير 10 أيام بس متجوزة “جوليان”، بس خلاص بقت حافظة كل حتة في البيت ده: الحوض المصدي، والبلكونة اللي مرمي فيها غسيل مكركب، والكنبة المهدولة اللي “أنخيل” (أخوه الصغير اللي عنده 22 سنة) قاعد عليها ليل نهار بالموبايل، ونظرات حماتها اللي دايماً بتدور على أي غلطة عشان تنكد عليها.
يومها، ماريانا كانت مخلصة شغل الساعة 6، ومرت على السوق، وشالت أكياس خضار وفراخ وفاكهة، وطلعت بيهم 3 أدوار وذراعاتها كانوا هيتقطعوا من الوجع، ومع ذلك دخلت المطبخ وخلصت العشا. مفيش حد سألها “تعبانة؟”، ومفيش حد قام ساعدها. ولما حطت الأكل على السفرة، كانوا قاعدين كلهم كأنها شغالة عندهم.
جوليان كان بيقلب في الموبايل، وأنخيل حاطط السماعات على رقبته وحاطط رجل على رجل، والحماة قاعدة لابسة طرحتها الرصاصي وبوزها شبرين، وعينها بتراقب كل حاجة كأنها ملكة مهانة.
— “ماريانا”، قال أنخيل من غير ما يرفع عينه من الموبايل، “اغرفيلي رز، وهاتي الصلصة.”
ماريانا بصتله. لا صرخت ولا عملت دوشة، شورتله بإيدها على الحلة وقالت:
— “المعلقة جنبك.. عندك إيدين.”
البيت سكت تماماً.
أنخيل رفع راسه ومصدوم إن فيه حد جاله الجرأة يرد عليه كدة.
— “نعم؟ إنتِ نسيتي إنك لسه عروسة جديدة ولا إيه؟”
حماتها ضحكت ضحكة صفرا وقالت:
— “يا جوليان، يا فضيحتنا.. أسبوع واحد جواز وبدأتِ تتأمري في بيتي؟ كنت فاكرة ابني جايب واحدة محترمة، طلعت واحدة لسانها طويل.”
ماريانا خدت نفس عميق. هي متعلمة من وهي صغيرة إن الظلم بيبان من ريحته: ريحة السفرة اللي بيقدموا فيها للراجل قبل الست، ريحة الأم اللي بتطبل لابنها العاطل، وريحة الراجل اللي بيسكت عشان “البيت يفضل ماشي”.
— “أنا اللي طبخت، وأنا اللي اشتريت، وأنا اللي رصيت السفرة”، قالت ماريانا. “أنخيل كبير ويقدر يغرف لنفسه، هو مش عيل صغير.”
جوليان ساب الموبايل ببطء، ووشه اتغير 180 درجة. مابقاش الراجل الهادي اللي كان بيحب فيها إنها “مجتهدة”، بقى واحد تاني خالص، واحد ضعيف ومحتاج يبان راجل قدام أمه.
— “اغرفيله وخلصينا”، أمرها.
— “لأ.”
الحماة حطت إيدها على صدرها:
— “شوفت يا ابني؟ قلتلك.. واحدة زي دي لو ما ربتهاش من الشهر الأول هتتدلع عليك، ولو ما أدبتهاش النهاردة هتدوس عليك بكرة.”
أنخيل ابتسم وقال:
— “أيوه يا أخويا.. وريها مين اللي كلمته بتمشي هنا.”
ماريانا حست ببرودة في جسمها. بصت لجوليان، كانت بتدور في عينه على أي حتة من الراجل اللي اتجوزته من كام يوم، بس ملقيتش غير كبرياء مكسور.
جوليان قام بسرعة والكرسي وقع وراه، قرب منها وقبل ما تلحق تتحرك.. ضربها بالقلم.
صوت القلم كان يوجع.. وشها لف للجنب، وحست بحرقة في خدها، ودموعها بدأت تلمع، وحست إن فيه حاجة في بقها طعمها حديد (دم). لثانية واحدة مسمعتش أي حاجة، زي ما يكون ودنها فصلت عن العالم.
وبعدين سمعت صوت تصفيق.
حماتها كانت بتسقف وبتقول:
— “أيوة كدة يا بطل.. الست تتربى من أول يوم.”
وأنخيل ضحك وقال:
— “ها يا مرات أخويا.. هتغرفي ولا أعيدلك القلم؟”
ماريانا رفعت عينها ببطء. لا عيطت ولا اترجت. عينيها نزلت على حلة “شوربة اللحم” اللي كانت بتغلي في نص السفرة. البخار كان طالع كأنه غضبها هي كمان.
جوليان بدأ يحس إنه زودها شوية.
— “ماريانا.. متكبريش الموضوع، كان لازم تفهمي.”
في لحظة، ماريانا مسكت الحلة بإيديها الاتنين.. ومحدش لحق يمسكها.
في حركة واحدة، قلبت الحلة بكل اللي فيها على جوليان. المرق السخن نزل على دماغه، وبلل قميصه، والخضار لزق في شعره. جوليان صرخ ووقع على الأرض وهو بيولول من الحرق، وأنخيل وشه بقى أصفر، والحماة فاتحة بوقها ومصدومة.
ماريانا وقفت بصتلهم من فوق لتحت، وخدها أحمر ودموعها في عينها، وقالت بصوت ثابت:
— “لو لمستني تاني.. هتشوف وش عمرك ما شفته.”
بعدها، مسحت بقها بإيدها، ومشيت ناحية أوضتها وقفلت الباب خبطته خبطة هزت البيت كله.
من ورا الباب بدأت الصريخ والعياط؛ الحمات بتعيط كأنها الضحية، وأنخيل بيشتم، وجوليان بيولول من الوجع. بس ماريانا مكنش فارق معاها. قعدت على الأرض وضهرها للباب، وفهمت حاجة خليتها تتجمد: لسه ما عداش أسبوعين على جوازها، والعيلة دي قررت تكسرها.
اللي ماكنوش يعرفوه.. إن ماريانا مش من النوع اللي بيتكسر بسهولة.. واللي جاي معاهم كان أوحش بكتير.