ابني مد إيده عليّا

ابني مد إيده عليّا وأنا ماعيطتش الصبح، طلعت مفرش السفرة اللي بطلعه في المناسبات، وعملت فطار زي اللي كنت بعمله زمان في الأعياد.
ولما نزل من أوضته مبتسم، بص للسفرة وقال
أهو أخيرًا اتعلمتي الأدب.
لكن الابتسامة اختفت من وشه في ثانية
أول ما شاف مين قاعد مستنيه.
لو قولتيلي لأ تاني، أقسم بالله هتندمي إنك خلفتيني أصلًا.
لما ابني كريم قال الجملة دي، حاولت أقنع نفسي إنها لحظة غضب وهتعدي.
زي عشرات المرات اللي قبلها.
لكن الحقيقة اللي كنت بهرب منها بقالها شهور كانت أوضح من أي وقت فات.
أنا ماكنتش بتعامل مع شاب متضايق.
أنا كنت بتعامل مع راجل عنده 23 سنة، اتعود يحوّل أي رفض أو خيبة أمل لتهديد.
كريم طول عمره كان طويل وعريض ووجوده يملأ المكان.
وهو صغير كان طيب وحنين.
لكن بعد طلاقي من أبوه، الأمور بدأت تتغير.
مرة بسبب إن أبوه سافر يشتغل بعيد.
ومرة بسبب إنه ساب الكلية.
وبعدين بسبب إنه مش قادر يثبت في شغل.
وبعدين بسبب إن البنت اللي كان بيحبها سابته.
لحد ما بقى مش محتاج سبب أصلًا.
بقى مقتنع إن الدنيا كلها مديونة له.
وأكتر واحدة ساعدته يوصل لكده كنت أنا.
أنا اللي دافعت عنه كل مرة غلط.
وبررت صوته العالي.
وطلباته اللي ما بتخلصش.
والفلوس اللي بياخدها وكأنها حقه.
والكلام الجارح.
والوعود الكدابة.
وكل مرة كنت أقول
بكرة يعقل.
لكن بكرة ماجاش أبدًا.
في الليلة دي رجعت من شغلي في مكتبة مدرسة تعبانة ومجهدة.
دخل كريم المطبخ وقال
هاتي فلوس خارج مع صحابي.
بصيتله وقلت كلمة واحدة بس
لأ.
رفع حاجبه باستغراب.
لأ؟
قلت
أيوه لأ. مش هصرف جنيه واحد على سهراتك وكدبك تاني.
وشه اتغير فورًا.
وقال بحدة
اتكلمي عدل.
رديت
أنا بتكلم بالطريقة اللي كان لازم أتكلم بيها من زمان.
ضحك ضحكة كلها مرارة.
وقال
يبقى اتعلمي مقامك.
وقبل ما ألحق أستوعب
إيده نزلت على وشي.
القلم ماوقعنيش.
وماكانش فيه دم.
لكن أسوأ حاجة كانت

الصمت اللي بعده.
فضلت واقفة مكاني.
سامعة صوت التلاجة.
وصوت الساعة.
وكأن البيت كله وقف يتفرج.
أما كريم
فبصلي ثانيتين.
وهز كتفه.
وطلع أوضته ينام.
من غير اعتذار.
من غير ندم.
كأن اللي حصل عادي.
وساعتها بس فهمت الحقيقة المرعبة.
أنا بقيت مش آمنة في بيتي.
الساعة كانت واحدة وعشرين دقيقة بعد نص الليل لما مسكت التليفون.
واتصلت بالشخص الوحيد اللي كنت بتجنب أكلمه من سنين.
أبوه.
رد بصوت كله نوم
منى؟
بلعت ريقي وقلت
ابنك ضربني.
سكت.
سكتة طويلة وتقيلة.
وبعدين قال بحزم
أنا جاي.
ما نمتش الليلة دي.
ومن الساعة أربعة الفجر وأنا بجهز الفطار.
طلعت أحسن طقم صيني.
وأحسن مفرش.
وعملت سفرة كاملة.
لكن ماكانش احتفال.
كان قرار.
وقبل الساعة ستة بشوية، وصل طليقي أحمد.
شعره بقى فيه شيب أكتر.
وشايل ملف كبير تحت دراعه.
بصلي.
وشاف أثر القلم على وشي.
وفهم كل حاجة من غير ما أشرح.
قعد على السفرة وقال
لسه فوق؟
هززت راسي.
نايم.
بص للسفرة وقال
إنتِ طول عمرك ما بتعمليش فطار بالشكل ده غير قبل قرار كبير.
بصيتله وقلت
النهارده كل حاجة هتنتهي.
قرب مني وقال
قوليلي بصراحة كريم هيمشي من البيت النهارده؟
قفلت عيني.
وافتكرت ابني وهو صغير.
وبعدين افتكرته امبارح وهو بيطلع السلم بعد ما ضربني.
فتحت عيني وقلت
أيوه النهارده.
هز أحمد راسه.
وفتح الملف.
وطلع منه شوية أوراق وحطهم على السفرة.
وفي اللحظة اللي كان هيشرحلي فيها كل حاجة
سمعنا صوت السلم بيصرّ.
كريم كان نازل.
ومبتسم.
مفتكر إن الفطار معمول عشانه.
ومفتكر إن أمه أخيرًا خضعت.
لكن أول ما دخل المطبخ
وشاف مين قاعد على السفرة
اتجمد مكانه.
لأن الشخص اللي كان مستنيه ماكانش أبوه بس
وكان فيه حاجة تانية على الترابيزة، حاجة عمره ما تخيل إنه يشوفه
لأن الشخص اللي كان مستنيه ماكانش أبوه بس
وكان فيه حاجة تانية على الترابيزة، حاجة عمره ما تخيل إنه يشوفها.
كريم وقف مكانه.
عينه راحت فورًا على الملف اللي قدام أبوه لكن اللي شلّه فعلًا مش الأوراق.
كان فيه ظرف بني سميك، مكتوب عليه بخط إيده
بلاغ رسمي للحفظ والتنفيذ عند اللزوم.
بص لأبوه باستغراب، وبعدين بصلي أنا
إيه ده؟
أحمد ما ردّش.
مد إيده بهدوء وفتح الظرف، وطلع ورقة واحدة بس.
بس كانت كافية تقلب وش كريم تمامًا.
ده محضر؟
صوته خرج أقل ثبات من أي مرة قبل كده.
أنا ما اتكلمتش.
لكن أحمد قال بهدوء مخيف
ده محضر إثبات حالة. ضرب أم. وتهديد داخل منزل.
كريم ضحك ضحكة قصيرة
إنتوا بتهزروا صح؟ أنا ابنك!
أحمد رفع عينه له لأول مرة وقال
وأنا كنت فاكر إنك ابني فعلًا لحد ما مدّيت إيدك على أمك.
الصمت اللي بعد الجملة دي كان تقيل.
كريم لف حوالين نفسه كأنه بيدوّر على مخرج.
يعني إيه؟ هتبلغوا عني؟
أنا حسّيت إيدي بتترعش، بس لأول مرة ما نزلتش عيني.
أنا اللي بلّغت يا كريم.
الجملة دي وقعت عليه زي حجر.
إنتِ؟!
صوته علي.
إنتِ عملتي في ابنك كده؟
ابتسمت بس من غير فرحة.
ابني ما يمدّش إيده عليا واللي يعمل كده يبقى اختار طريقه لوحده.
خطوة ورا خطوة، قرب من السفرة.
وبص للملف وبعدين لأبوه وبعدين ليّا.
وفجأة صوته اتغير.
بقى أهدى.
أخطر.
إنتوا فاكرين إن ده هيوقفني؟
أحمد قال بهدوء
ده مش تهديد يا كريم ده بداية نتيجة.
سكت ثانية.
وبعدين كريم ابتسم ابتسامة غريبة.
نتيجة؟
مد إيده ناحية الكرسي، وقعد فجأة.
وقال
طب خلينا نشوف بقى مين فينا هيكمل للآخر.
وفي اللحظة دي
التليفون بتاعي رن.
رقم مجهول.
أحمد بصلي وقال
ما تردّيش.
لكن إيدي كانت سبقتني.
ضغطت زر الرد.
وصوت من الناحية التانية قال جملة واحدة بس
خلّت الدم يسيب وشي
إحنا بره البيت دلوقتي وعايزين نعرف هنقبض عليه حالًا ولا نديكم 10 دقايق تخرجوا الأول؟سقط التليفون من إيدي على الترابيزة.
الصوت في الخط لسه شغال، نفس الجملة بتتكرر كأنها كابوس
10 دقايق ولا نقبض عليه حالًا
كريم قام فجأة من على الكرسي.
إنتِ بلغتِ عني من غير ما تقولي؟!
صوته كان أعلى من أي مرة قبل كده، بس المرة دي فيه حاجة مختلفة توتر.
أحمد وقف ببطء، وبص له بهدوء قاتل
اقعد يا كريم.
لكن كريم ماقعدش.
اتراجع خطوة لورا ناحية باب المطبخ، وعينه بتلف في المكان كأنه بيدوّر على مخرج.
إنتوا فاكرينها سهلة كده؟ الشرطة هتيجي وتاخدوني؟ أنا معملتش حاجة!
أنا حسّيت قلبي بينزل لتحت.
مدّيت إيدك عليّا يا كريم دي مش حاجة؟
بصلي لحظة.
وبعدين صوته هدى فجأة
أنتِ اللي استفزيتيني.
الجملة دي كانت أخطر من الصراخ.
أحمد خبط إيده على الترابيزة مرة واحدة
كفاية!
الهدوء اللي بعد الخبطة كان مرعب.
وفي نفس اللحظة
سمعنا صوت عربيات بتقف قدام البيت.
فرامل.
أبواب بتتقفل.
خطوات سريعة على السلم.
كريم لف ناحيتنا واتجمد.
إنتوا عملتوا إيه؟
أحمد قرب منه خطوة واحدة
خلصت اللعبة يا كريم.
الجرس رن.
مرة واحدة.
وبعدها خبطتين سريعين على الباب.
صوت واضح من بره
افتحوا شرطة.
كريم بصلي وبعدين بص لأبوه وبعدين للباب.
وفي عينه لأول مرة
ماكانش غضب.
كان خوف.
خوف حقيقي.
لكن اللي حدّف اللحظة كلها للهاوية
كان صوت المفتاح الداخلي اللي وقع من جيب أحمد على الأرض.
كريم شافه.
وفهم.
وفجأة ابتسم ابتسامة صغيرة جدًا وقال
يبقى مفيش خروج النهارده غير لو أنا اللي قررت.
وبخطوة واحدة
جري ناحية المطبخ وفتح درج السكاكين الدرج اتسحب بقوة وصوت المعدن وهو بيخبط في بعضه كان كفيل يخلي الدم يبرد في العروق.
أحمد تحرك فورًا ناحيته
كريم اقف مكانك!
لكن كريم كان أسرع.
مسك سكينة صغيرة، ولف فجأة، وظهره للرخام وعينه علينا إحنا الاتنين.
صوته اتغير تمامًا.
بقى منخفض محسوب
محدش يقرب.
خبطات على الباب زادت برا
افتحوا! الشرطة!
أنا حسّيت إن الجدران بتقفل علينا.
وبصيت لأحمد همس
إحنا عملنا إيه
رد بهدوء وهو ما بيشيلش عينه من كريم
إحنا حاولنا ننقذك وده رد فعله.
كريم ابتسم بسخرية وهو بيهز السكينة في الهوا
تنقذوني؟ من إيه؟ من حياتي؟
خطوة خطوة بدأ يلف حوالين السفرة.
أنا اللي شايل البيت ده من سنين وأنا اللي مستحمل وإنتِ وإنتَ
بص لأبوه
إنت جيت دلوقتي تعمل فيها أب؟
أحمد ما ردّش.
لكن عينه كانت ثابتة بشكل مرعب.
وفجأة
صوت من بره علا
لمحة نيوز

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *