حكايه كريمه ج٢ انجي الخطيب
في اللحظة دي، عرفت إن الفراق كان لازم يحصل عشان يفوق. عرفت إن “الزبالة” اللي اترمت فيها الحلة، كانت هي “البداية” الحقيقية لرجوع ابني ليّ، ولرجوعه لأصله.
قررت أسامحه، مش ضعف، لأ، ده لأن الأم قلبها بحر، وبحر الأم مبيغرقش فيه غير اللي بيحاول يغرق نفسه.
بدأت صفحة جديدة، دانيال نزل يساعدني في المحل. في الأول كان مكسوف، بس بعدين بدأ يفتخر بشغل إيدينا. بقيت الناس بتيجي مخصوص عشان تاكل من “إيد كريمة وابنها”. الكراسي اللي كانت بتوجع الضهر في شقة التجمع، اتبدلت بطبلية خشب بسيطة، بس القعدة عليها كانت مريحة للقلب والروح.
الدرس اللي اتعلمته في الـ 71 سنة، واللي حابة أقوله لكل أم: “أوعي تدي ابنك كل حاجة لحد ما ينسى إنك إنتِ الأساس. الحب مش إننا ندي ونضحي بكرامتنا، الحب هو إننا نعلمهم إن الأصل هو اللي بيدوم، وإن “المظاهر” بتجيب “إيمان” وأشباهها، بس “التربية والأصل” هما اللي بيجيبوا “داني” بتاعك تاني”.
دلوقتي، المحل بتاعي بقى مزار للناس الطيبة. ولما حد بيسألني: “يا طنط كريمة، إيه سر النَفَس الحلو؟”، بضحك وأقول: “السر في إن الواحد ياكل بكرامة، ويطعم اللي حواليه بكرامة. والمحشي، يا حبايبي، مبيطلعش طعمه حلو غير لما يكون في قلبه “محبة” مش “إتيكيت” مسموم”.
عشت الـ 71 سنة دي عشان أعرف إن “الكرامة” هي الوجبة الأساسية، وكل اللي حواليها “مقبلات”. وداني رجع، مش ابني اللي كنت بتباهى بيه، رجع “ابني” اللي كنت بخاف عليه من نسمة الهوا، ورجع وهو عارف إن “ريحة السمنة البلدي والتوم” في بيت أمه، أحلى من أي ريحة “برفان” غالي في شقة باردة وموحشة.
نهاية حكايتي مش بس محشي وإهانة، دي حكاية “إرادة”. إرادة ست، شافت الغدر، ووقفت، وخدت حقها، وخدت حق قلبها. والحياة لسه بتدينا فرص، المهم نكون شجعان كفاية عشان نلم كرامتنا من “الزبالة” ونمشي في طريقنا، ونعرف إن اللي بايعك، هيرجع يدور عليك يوم ما الدنيا تضيق بيه، وقتها.. لازم تكون “الكريمة” اللي بتسامح، بس بعد ما الدرس يكون وصل كويس.
وخلاص، قفلت حكاية الـ 38 سنة شقى، وبدأت حكاية جديدة عنوانها: “البيت اللي فيه أم، فيه كل حاجة، واللي مفيش فيه أم، ميبقاش بيت، ده مجرد حيطان باردة”.