احمد خطى خطوه واسعه
أنا كنت قاعدة على الكرسي الهزاز، حسن وحسين نايمين في حضني، دموعي كانت بتنزل بس مكنتش دموع ضعف، كانت دموع قرف، قرف من الراجل اللي شاركته لقمة عيشي، الراجل اللي كان بينام في الأوضة التانية ويسيبني أموت من التعب وهو بيخطط مع أمه وأخوه إزاي يرموني في الشارع وياخدوا شقا عمري، بَصيت لطارق وقلت له بصوت مسموع وسط الهيصة: “أنت بعتني بكام يا طارق؟ بعت عيالك اللي لسه لحم أحمر بكام عشان ترضي أمك وأخوك؟”، طارق جرى عليا وركع تحت رجلي، طارق بيه المتشيك، صاحب البدلة الكحلي والساعة الغالية، بقى يمسك في رجلي ويدمع: “والله يا هبة لعبوا بدماغي، أمي قالت لي الشقة دي كبيرة عليها وهي مقطوعة من شجرة وإخواتها أغنيا ومش هيسيبوها، قالوا لي نعمل المشروع وكلنا نغتني، سامحيني يا هبة عشان خاطر العيال”.
قبل ما أنطق، أحمد مسكه من قفاه ورفعه لفوق كأنه شوال بطاطس، وقال له: “متجيبش سيرة العيال على لسانك الزفر ده، العيال دي من النهاردة ملهاش أب اسمه طارق، أنت من هنا على البوكس”، فوزية جريت على أحمد وقالت له وهي بتبوس على إيده: “بوس إيدك يا بيه، بلاش الشرطة، احنا هنرجع كل حاجة، هنمشي من هنا ومش هتشوفوا وشنا تاني، بس بلاش حبس، طارق ده موظف كبير ومستقبله هيضيع”، محمود بَص لها بقرف وزق إيدها وقال: “مستقبله ضاع خلاص، المحضر اتعمل، والنيابة مستنياكم، وبالمناسبة يا حاجة فوزية… العشة اللي فوق السطوح اللي كنتِ عايزة ترمي أختي وعيالها فيها؟ احنا اشترينا البيت كله اللي في القلعة اللي أنتِ عايشة فيه، ومن بكرة الصبح، المطرودين من هناك هما أنتِ والبرنس ابنك عمرو، عشان البيت هيتهد وهيتعمل مكانة مخازن لشركتي”.
فوزية قعدت على الأرض من الصدمة، عياط وصراخ شيرين وعمرو مكنش ليه آخر، طارق كان واقف باصص للفراغ وهو عارف إن حياته انتهت؛ وظيفته، شرفه، عيلته، كل حاجة راحت في ثانية، أحمد شاور للحرس اللي واقفين برة على السلم، دخلوا وكتفوا طارق وعمرو، وأخدوا فوزية وشيرين معاهم وهم بيجروا رجليهم زي الفراخ المبلولة، الصالة اللي كانت من شوية مليانة بجاحة وظلم، فضيت ومبقاش فيها غيري أنا وإخواتي والتوأم.
محمود قرب مني وقعد على ركبه قدام الكرسي، بَص لحسن وحسين وابتسم، وبعدين رفع عينه ليا وقال: “حقك رجع يا قلب أخوكِ، ومفيش مخلوق على وجه الأرض يقدر يمس شعرة منك طول ما احنا عايشين، الشقة دي بتاعتك، والبيت بتاع أمه بقا بتاعك كمان، وكل قرش تمن تعبك هيرجعلك تالت ومتلت”، أحمد قعد الناحية التانية وحط إيده على كتفي: “أنا هرفع قضية الخلع بكرة الصبح، والولاية التعليمية والحضانة وكل حاجة هتكون في إيدك، طارق مش هيرجع يشوف الشمس قبل عشر سنين سجن هو وأخوه وأمه”، هزيت راسي وأنا حاسة بوزن تقيل قوي انشال من على صدري، بس الإحساس بالراحة مكملش ثواني.