زواج سري
2
انقبض قلب ياسمين فجأة، فازداد وجهها شحوبًا.
رغم أن المكيف المركزي يحافظ دائمًا على حرارة ثابتة، إلا أنها شعرت وكأنها في قبو جليدي.
وحين رآها صامتة، لم يُبعد عمر نظره عن وجهها إلا بعد بضع ثوانٍ:
“صحة والدة ليلى تزداد سوءًا، وأمنيتها الوحيدة أن ترى ابنتها مطمئنة، تجد من يسندها، تحتاج إلى من يؤنسها. لا تثيري المشاكل، قومي بدورك كزوجة عمر الراسني، ولن أتجاوز حدي معك.”
قالها وكأن خيانته أمر مبرر.
لن يتجاوز حدّه معها؟
تجمدت ياسمين لبرهة، ثم ابتسمت بمرارة، وقاومت الألم الذي يمزق صدرها لتقول:
“إن كانت تحتاج إلى من يؤنسها، فوجودك عندي ليس في مكانه.”
أنهت كلامها، ثم استدارت وصعدت إلى الطابق العلوي، وأغلقت الباب خلفها بلا تردد.
وبعد دقائق، دوى صوت محرك سيارة من الأسفل، ورحل الرجل. لم تحتج أن تفكر لتعلم أنه ذهب إلى ليلى.
سارت بخطوات مثقلة نحو الحمام، وغسلت وجهها بماء بارد أيقظها أكثر.
ثم فتحت حاسوبها وتواصلت مع محامٍ كانت قد أضافته منذ ثلاث سنوات، وطلبت منه أن يعد لها عقد طلاق.
سألها المحامي:
“آنسة ياسمين، هل لديك أي شروط خاصة؟ كمنزل أو سيارة أو تقسيم الممتلكات؟”
فكرت قليلًا ثم ردت بهدوء:
“لا أريد شيئًا.”
لم تعد تريد عمر، فكيف ستفكر في ممتلكاته؟
ثم إنها قرأت أن التنازل عن المطالب يسرّع الإجراءات، ولن تضطر إلى استنزاف جسدها الضعيف في نزاعات معه.
أرسل لها المحامي العقد كاملًا بسرعة.
طبعته، وأمسكت القلم بيد متشنجة بيضاء من شدة الضغط، لكنها لم تتردد، ووقّعت اسمها بخط متماسك رغم ارتجافها.
بعدها، سحبت جسدها المتألم وشرعت تجمع ثيابها على عجل.
وعند الباب، ألقت نظرة طويلة على هذا البيت الذي اعتنت به ثلاث سنوات، ثم خرجت دون أن تلتفت.
في اليوم التالي، طلبت إجازة، واستعانت بخدمة توصيل سريعة في المدينة، لترسل نسخة من عقد الطلاق إلى مكتب الاستقبال في شركة الأفق الأزرق.
فهي تعلم أن عمر لا يستلم الطرود بنفسه، لذلك كتبت اسم كريم كالمستلم.
منذ زواجها بعمر، دخلت للعمل في شركة عائلة الراسني.
لكنه لم يكن يريد إعلان زواجهما، ولم يسمح لها بالاقتراب منه داخل الشركة، فألحقها بقسم العلاقات العامة، لتتولى صورة الشركة أمام الجمهور.
وبفضل كفاءتها، أصبحت مديرة القسم خلال سنوات قليلة.
لم تتغيب عن العمل يومًا، ولم تأخذ إجازة طوال ثلاث سنوات.
كانت تؤدي عملها بإتقان، لا لأنها تحبه، بل لأنها اعتادت أن تبذل جهدها في كل ما تقوم به.
لكن بما أنها قررت الطلاق، فلم يكن في نيتها البقاء في شركة الأفق الأزرق.
وبعد أن أرسلت الطرد، نظرت إلى الساعة، كانت تقترب من العاشرة.
شدّت أصابعها، فهي الآن أمام أمر أهم بكثير…
سجن الشرق في مدينة النور.
كانت يدا ياسمين على المقود تتعرقان قليلًا، فبعد ثلاث سنوات من الغياب لم تستطع إخفاء توترها.
اليوم سيخرج سامي الدهري من السجن.
قبل شهر، حجزت قاعة خاصة لاستقباله وإكرامه.
سامي هو الطفل الذي تبنّاه والدها، وقد نشأ معها منذ الصغر. في بيت عائلة الدهري القاسي، كان الوحيد الذي وقف بجانبها، دافع عنها بروحه سنوات طويلة، ولم يرفع صوته عليها يومًا. وكان يقول: “الجميع قد يخذلك، إلا أنا يا ياسمين، لن أخذلك أبدًا.”
تفقدت وجهها في المرآة، كان شاحبًا مريضًا، فأضافت طبقة من أحمر الخدود لتبدو طبيعية. ولتطمئنه أكثر، تناولت حبة مسكن إضافية، وارتدت نظارة شمسية وقبعة.
وبينما كانت تنظر للأمام، انفتح باب السجن ببطء.
نزلت من السيارة دون وعي، وكأن أطرافها لا تخصها.
خرج رجل طويل القامة بملابس سوداء، يحمل حقيبة قديمة، شعره الأسود قصير ومرتب، تجولت عيناه الهادئتان في المكان، ثم توقفتا عندها.
خفق قلب ياسمين بقوة حتى كاد يتوقف تحت نظرته.
جف حلقها، واحمرّت عيناها، وخطت نحوه دون أن تشعر، وهمست بصوت مرتجف:
“أخي…”