وريثه الظلال ج2
الممر بين الحجز والمستشفى كان طويل وبارد بشكل مقصود، كأنه معمول عشان يخلي أي حد يفكر ألف مرة قبل ما يكمل.
دانيال كان ماشي بين فردين من الشرطة.
مش بيتكلم.
مش بيقاوم.
بس جواه كان فيه حاجة أسوأ من الخوف… ارتباك.
لأنه لأول مرة، مش داخل مواجهة يقدر يلفّها بكلمة أو نفوذ.
داخل مواجهة مافيهاش مهرب.
وصلوا قدام باب زجاجي يفصل بينه وبين غرفة الانتظار.
الحارس فتح الباب.
وأول ما دخل…
شافها.
أوليفيا واقفة عند الشباك.
بهدوء غريب.
الهدوء اللي بييجي بعد كل الصراخ.
ناثان وقف عنده لحظة، كأنه مش مصدق إنها حقيقية بالشكل ده.
قال بصوت منخفض: “كلارا…”
هي ما ردتش على الاسم.
بس قالت: “قرب.”
الكلمة كانت بسيطة.
لكن اتقالت كحكم.
دانيال خد خطوة… وبعدين خطوة تانية.
كل خطوة كانت تقيلة بشكل غريب عليه.
لما وصل قدامها، وقف.
الصمت بينهم كان خانق.
قال أخيرًا، بنبرة حاول يطلعها هادية: “إنتِ دمّرتي حياتي.”
أوليفيا ابتسمت ابتسامة صغيرة جدًا.
مش سخرية.
لكن تعب.
“حياتك؟”
رفعت عينيها له لأول مرة مباشرة.
“إنت فاكر إن عندك حياة واحدة اتدمرت؟”
سكت.
كأن السؤال ما كانش محتاج إجابة.
كملت: “أنا كنت عايشة معاك سنين… وكل يوم كنت بتختار فيه إنك تبقى ده.”
شد على إيده.
“إنتِ كنتِ بتستفزيني.”
الجملة خرجت تلقائية.
زي ما كانت دايمًا بتطلع منه.
لكن المرة دي…
ما اشتغلتش.
أوليفيا هزت راسها ببطء.
“حتى دلوقتي…”
اقتربت خطوة صغيرة.
“لسه شايف إن المشكلة كانت فيا.”
الصمت اللي بعدها كان أثقل من أي صريخ.
من ورا الزجاج، صوت أجهزة المستشفى كان ثابت.
كأن العالم بيكمل عادي، رغم إن جوا الغرفة دي فيه انهيار كامل.
دانيال بص حواليه، ثم قال بصوت أخفض: “أنا كنت بحبك.”
أوليفيا سكتت ثانيتين.
ثم ردت بهدوء قاتل: “لا.”
“إنت كنت بتحب إنك تملك حد… مش تحبه.”
الكلمة نزلت عليه كأنها أول مرة يسمعها بوضوح.
وشه اتغير.
“إنتِ مكبرة الموضوع…”
لكن صوته كان أضعف من المعتاد.
أوليفيا قطعت الجملة: “ده نفس الكلام اللي بتقوله لكل حاجة عملتها.”
سكتت لحظة.
ثم أشارت بإيدها ناحية الشباك اللي وراها.
“الطفل اللي فوق… بقى عايش عشان أنا اخترت أشوف الحقيقة.”
عينه اتحولت فورًا.
“ابني؟”
لأول مرة صوته فيه خوف حقيقي.
مش خوف على نفسه.
على فكرة فقدان السيطرة.
أوليفيا هزت راسها.
“أيوه… ابنك الحقيقي.”
السكوت اللي وقع بعدها كان مرعب.
دانيال رجع خطوة لورا تلقائيًا.
كأنه بيحاول يستوعب حاجة أكبر من قدرته.
“إنتِ… خلتيني أسيبه يموت؟”
سألها بصوت مكسور.
أوليفيا ردت بهدوء: “إنت اللي اخترت تسيبه.”
سكتت.
ثم أضافت: “أنا بس منعت الاختيار ده إنه يكمل.”
دانيال بص لها.
لأول مرة… مفيش غضب.
بس فراغ.
الحقيقة لما بتوصل متأخرة… ما بتوجعش بس.
بتسحب كل حاجة كانت ماسكة الإنسان واقف.
وفي اللحظة دي، من ورا الباب، الممرضة نادت: “الحالة مستقرة… ممكن يشوفه قريب.”
الصوت كان بسيط.
لكن أثره كان كافي يوقف الزمن لحظة.
دانيال رفع عينه ناحية الصوت… ثم رجع بص لأوليفيا.
همس: “أنا عايز أشوفه.”
أوليفيا بصت له لحظة طويلة.
ثم قالت: “مش النهاردة.”
سكتت.
“مش قبل ما تفهم إنك مش أبله في قصة… إنت السبب فيها.”
وبهدوء، ولّت وشها تاني ناحية الزجاج.
وكأن اللقاء انتهى قبل ما يبدأ.
ودانيال وقف مكانه.
لأول مرة…
من غير ما يعرف يقول إيه بعد كده.