اهو الكونتنت الحقيقي ج1

كان ممكن أصرخ.

كان ممكن أقلب الترابيزة فوق دماغهم.

أخطف الموبايلات وأكسر الشاشات على الأرض.

الرغبة دي طلعت جوايا كاملة… شرسة… وقريبة جدًا.

بس ماقولتش ولا كلمة.

قمت بهدوء.

القهوة كانت بتنقط من شعري وتسيب بقع بنية على المفرش الأبيض. وكل حركة كانت بتولّع جلدي أكتر.

ما بصّتش لأمي.

ولا لكريم.

ولا لنادين.

عدّيت التراس ودخلت لوبي الفندق اللامع، والهوا الساقع خبط وشي المحروق كأنه إهانة جديدة. الناس بصتلي: راجل فاتح لابتوب، ست لابسة ماركات، طفل ماسك شوكولاتة.

ولا حد اتكلم.

طبيعي.

في الأماكن دي، السكوت جزء من الخدمة.

مشيت ورا اليافطة الدهب لحد حمام السيدات. الممر كان ريحته خليط بين معطر حمضيات وبرفيوم غالي. دخلت ووقفت قدام المراية.

شعري كان مبلول وملزق حوالين وشي. الهودي لازق في كتافي. الجلد عند منابت الشعر بدأ يحمر، وبعدها قلب لأحمر غامق. ورا ودني الشمال، فقّاعة حرق صغيرة بدأت تطلع، لامعة ومقرفة.

شكلي كان عامل زي ضحية حادثة.

مش ضحية أم.

إيديا مسكت الحوض بقوة لحد ما مفاصل صوابعي بيضت. الصرخة كانت طالعة لفوق، جاهزة تكسر المكان كله.

لكن ساعتها بصيت في عيني بالمراية.

ماكانوش مليانين دموع.

كانوا ساقعين.

وهنا فهمت…

الكوبري ما اتحرقش بس.

ده اتنسف من أساسه.

لو رجعت وصرخت، هياخدوا الفيديو المثالي.

لو عيطت، هيلاقوا الكابشن المثالي.

لو انهرت، هيقصوا ويمنتجوا وينزلوا المقطع بعنوان: “بصوا المجنونة بتعمل إيه!” “بصوا الفاشلة اللي عايشة في الأرياف!”

وجعي كان الأكل اللي بيعيشوا عليه.

وغضبي كان متعتهم المفضلة.

عشان كده أخدت نفس واحد بالعافية، وإيدي لسه بتترعش من السخونية، وفتحت موبايلي…

وكان فيه إشعار على الشاشة…

إشعار كريم ونادين لسه ما يعرفوش إنه موجود أصلاً.

الإشعار كان من بنك.
مش البنك اللي أمي طول عمرها بتتباهى إنها “تعرف ناسه”.
ولا البنك اللي كريم بيتصور قدامه بالعربية الإيجار ويكتب: “الحمد لله على نعمة النجاح”.
ده كان بنك تاني.
اسم ما حدش فيهم يعرفه.
رسالة قصيرة جدًا:
“تم تحويل الدفعة الأولى بنجاح.”
وتحتها رقم.
سبع خانات.
وقفت أبص للرقم وأنا حاسة إن الحمام بيلف حواليا.
مش عشان الفلوس.
عشان التوقيت.
بعد عشر دقايق بالظبط من اللي حصل فوق.
كأن الكون نفسه قرر يرد الصفعة بطريقته.
إيدي كانت بترتعش وأنا بفتح الرسالة اللي بعدها.
إيميل.
من شركة في دبي.
الشركة اللي قدمت فيها من ست شهور وأنا قاعدة في أوضتي فوق سطح بيت خالتي في المنصورة، بالإنترنت الضعيف والمروحة اللي بتزيق.
الشركة اللي أمي ضحكت لما سمعت اسمها.
“انتي؟ شغل دولي؟ يا حبيبتي انتي بالكاد تعرفي تتكلمي قدام الناس.”
الإيميل كان قصير:
“يسعدنا إبلاغك أنه تم قبول العرض النهائي. ننتظر وصولك خلال أسبوعين لتولي منصب المدير الإبداعي التنفيذي…”
وقفت أقرأ الجملة تاني.
وتالت.
ورابع.
المدير الإبداعي التنفيذي.
أنا.
مش المتدربة.
مش المساعدة.
مش “البنت الفاشلة اللي عايشة في الأرياف”.
أنا.
ضحكة صغيرة طلعت مني غصب.
مش فرح.
صدمة.
وفي نفس اللحظة… الباب اتفتح.
نادين دخلت الحمام وهي لسه بتضحك، موبايلها بإيدها.
أول ما شافتني واقفة قدام المراية، رفعت حاجبها وقالت: “أوووه… لسه عايشة؟”
ما رديتش.
قربت من الرخامة، طلعت روجها، وبدأت تصلحه قدام المراية كأني مش موجودة أصلًا.
وقالت بنبرة هادية مقصودة: “الفيديو طلع تحفة بالمناسبة.”
سكتت ثانية، وبعدين ابتسمت لنفسها: “كريم هيعمل منه ملايين فيوز.”
كنت ببصلها من خلال المراية.
لأول مرة ألاحظ قد إيه ابتسامتها مرهقة.
وقد إيه عينيها خايفة رغم كل البرود.
قالت وهي بتبصلي: “بصي لنفسك… شكلك كارثة.”
هنا بس… ابتسمت.
ابتسامة صغيرة جدًا.
خلّتها تتجمد.
لفت ناحيتي ببطء وقالت: “إيه؟”
قفلت موبايلي بهدوء، ومسحت نقطة قهوة من على رقبتي، وقلت: “عندك حق.”
وسبتها وخرجت.
سمعت صوتها ورايا: “إنتِ اتجننتي؟”
لكن ما وقفتش.
رجعت للوبي.
والجرسون اللي كان واقف متجمد من شوية جري أول ما شافني.
قال بتوتر: “يا فندم… حضرتك محتاجة دكتور؟”
بصيتله ثانيتين.
أول حد يسألني إذا كنت محتاجة مساعدة.
بعد كل ده.
قلت بهدوء: “محتاجة فاتورة بس.”
اتلخبط. “أفندم؟”
طلعت الكارت الأسود من جيبي.
الكارت اللي محدش في عيلتي يعرف إنه معايا.
حتى أنا لسه متعودة عليه.
حطيته قدامه.
وقلت: “حاسب على التراس كله.”
الراجل أخده بإيدين مرتبكتين، وعينيه وسعوا أول ما شاف الاسم.
رفع عينه ليا بسرعة… وبعدين نزلها فورًا.
الطريقة اللي الناس بتبص بيها لما يفهموا فجأة إنهم كانوا بيكلموا شخص مختلف تمامًا عن اللي تخيلوه.
بعد دقايق، أمي نزلت من التراس بعصبية، وكريم وراها ولسه ماسك موبايله.
واضح إنهم كانوا جايين يكملوا العرض.
لكنهم وقفوا أول ما شافوا موظفين الفندق متجمعين حواليا.
مدير الفندق بنفسه كان واقف معتدل وهو بيقول: “إحنا آسفين جدًا يا فندم على اللي حصل.”
أمي بصت يمين وشمال باستغراب. “في إيه؟”
مدير الفندق لف ناحيتها بابتسامة مهنية باردة: “مدام… نرجو إن حضرتك وعائلتك تغادروا المكان.”
كريم ضحك بسخرية. “ليه يعني؟”
المدير رد بهدوء: “بناءً على طلب المالكة الجديدة للفندق.”
الصمت نزل فجأة.
حقيقي.
ثقيل.
حتى صوت الملاعق اختفى.
أمي ضحكت ضحكة قصيرة متوترة. “مالكة إيه؟ إنت اتهبلت؟”
المدير بص ناحيتي.
وكل العيون راحت معاه.
القهوة كانت لسه بتنقط من شعري.
الحروق واضحة على جلدي.
والهودي القديم لازق في كتافي.
لكن لأول مرة في حياتي…
ولا واحد فيهم كان باصصلي بفوقية.
طلعت نفس هادي.
وبعدين قلت: “أنا اشتريت الفندق الصبح.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *