بعد شهرين كاملين من طلاقنا
بعد شهرين كاملين من طلاقنا، لقيت طليقتي قاعدة لوحدها في ممر مستشفى حكومي، وفي اللحظة اللي عيني جت في عيونها وعرفتها، فيه حاجة جوايا اتكسرت ومبقتش عارف أتنفس! عمري ما تخيلت إني هشوفها بالمنظر ده تاني، كانت لابسة لبس العمليات الباهت وقاعدة في ركن الممر، عيونها دبلانة وبتص لسراب، باين عليها الضعف والتعب الشديد وكأنها خيال مفيش حد من اللي رايح واللي جاي شايفه، لثانية واحدة قلبي وقف من الصدمة، دي مريم طليقتي اللي سبتها من شهرين بس. أنا اسمي أحمد، عندي أربعة وتلاتين سنة، موظف عادي في شركة وبحاول أعدي أيامي في الدنيا والسلام. أنا ومريم عشنا مع بعض خمس سنين على الحلوة والمرة، قدام الناس كانت حياتنا هادية ومستقرة، مريم كانت من الستات الطيبين الهاديين اللي مبيتكلموش كتير ولا بتطلب اهتمام، بس كانت مخلية بيتنا دايما دافي وفيه بركة، ومهما كان يومي في الشغل صعب وطاحن، كان مجرد ما أدخل وأشوف وشها كل التعب اللي جوايا يهدأ ويروح. وزي أي اتنين متجوزين، كان نفسنا في الستر والعيال، وبيت صغير يملاه الحب والصوت، بس بعد تلات سنين جواز وسقطت مرتين ورا بعض وإرادة ربنا مأذنتش بالخلفة، بدأ كل حاجة بينا تتغير ببطء، مريم سكتت خالص، وحزن غريب ودائم سكن في عيونها، حزن تقيل عامل زي هم مبقتش قادرة تخبيه ولا تداريه ورا ضحكتها. وأنا كمان اتغيرت، هربت من البيت وبقيت بتأخر في الشغل، وأتهرب من أي كلام أو عتاب، ودفنت نفسي وسط الشغل الإضافي والمواعيد عشان الهروب كان أسهل بكتير من إني أواجه الصمت اللي عمال ينهش في بيتنا، والمشاكل والخناقات الصغيرة بقت هي العادي بتاعنا، خناقات ملهاش لازمة بس كانت بتفصلنا عن بعض أكتر، كنا زي اتنين تعبانين ومش عارفين يرجعوا لبعض إزاي. مش هبرأ نفسي، أنا غلطت في حقها، وفي ليلة من ليالي شهر أربعة،
بعد خناقة تافهة هدت حيلنا إحنا الاتنين ونشفت ريقنا، قلت الكلمة اللي مكنش حد فينا عايز ينطقها: “مريم.. تفتكري لو اطلقنا هيبقى أريح لنا؟” بصت لي وقتها نظرة طويلة أوي، وقالت بصوت واطي ومكسور: “أنت كنت واخد القرار ده جوه قلبك من قبل ما تنطقه صح؟” ملقتش رد أقوله لها، غير إني هزيت راسي بالوجع، لا صرخت ولا عيطت، والسكوت ده وجعني أكتر من أي خناق، وطت راسها وقامت تلم هدومها وحاجتها في نفس الليلة. الطلاق خلص بسرعة، بسرعة تخوف، كأننا كنا مجهزين للخطوة دي من زمان وقبل ما نكتب الورق حتى، بعدها أجرّت شقة صغيرة على قدي في وسط البلد وغصبت نفسي على روتين ميت، شغل بالنهار، قعدة على القهوة مع صحابي من وقت للتاني، تلفزيون بليل، وسكات ومفيش أي صوت في الشقة، مفيش لقمة دافية مستنياني، مفيش خطوتها الصبح في المطبخ، ولا صوتها الحنين وهي بتسألني: “أكلت ولا لسه؟” ورغم كل ده، كنت بضحك على نفسي وبقول أنا خدت القرار الصح، وده كان أكبر كدبة عشت فيها. شهرين عدوا وأنا عايش زي الضل، وفي يوم كنت رايح مستشفى قصر العيني عشان أزور صاحبي وأخويا مصطفى بعد ما عمل عملية، وأنا ماشي في ممر قسم الباطنة، لمحت حاجة من بعيد خلت رجلي تتسمر في الأرض، شفتها، مريم! كانت قاعدة سانده ضهرها على الحيطة ولابسة لبس المستشفى الأزرق الباهت، شعرها الطويل اللي كنت بحبه مبقاش موجود وقصاه قصير جداً بشكل يوجع القلب، وشها خاسس ومخطوف ومفيش فيه نقطة دم، والندوب السودة تحت عيونها باينة من قلة النوم، وجنبها حامل المحاليل. قربت منها وأنا مش حاسس برجلي وإيدي بتتنفض من الرعب وقلت: “مريم؟” رفعت راسها فجأة، ولثانية واحدة الصدمة والذهول ظهروا على وشها التعبان وقالت: “أحمد..؟” صدري ضاق ومبقتش عارف أتنفس وقلت لها بسرعة: “إيه اللي جابك هنا؟ وفيكِ إيه؟ وقاعدة لوحدك كده ليه؟” لفت وشها الناحية التانية بسرعة وقالت بصوت مخنوق وضعيف: “مفيش حاجة يا أحمد.. شوية تحاليل عادية وفحوصات”، قعدت جنبها على الكرسي ومسكت إيدها براحة لقيتها زي التلج، بلعت ريقي بصعوبة وقلت لها: “مريم.. بالله عليكِ ماتخبيش عليا، أنا شايف وشايف إنك مش كوايسة خالص”، سكتت لثواني طويلة والدموع في عيونها، وبعدها بدأت تتكلم وتكشف المستور.
يا ترى إيه السر الطبي المرعب اللي مريم كانت مخبياه عن أحمد طول السنين اللي فاتت وكان السبب الحقيقي وراء سكوتها وطلاقهم؟ وإيه الكارثة اللي الدكتور قالهالها وخلاها تقص شعرها وتقعد في ممر المستشفى مستنية مصيرها لوحدها من غير ما تقول لحد من أهلها؟
الهواء في الممر اتجمد، وكل ضحكة أو همسة كانت تختفي بين جدران المستشفى الباردة. أحمد قعد جنب مريم، ماسك إيدها اللي كانت زي التلج، وعيونه ما قادرة تفارق وشها التعبان. بعد صمت طويل، بدأت مريم تتكلم بصوت مكسور، كل كلمة كانت بتنزلق من جوفها زي سكين، تكشف عن الحقيقة اللي أخفتها طول الخمس سنين.
“أحمد… الموضوع اللي كنت بخبيه عنك مش سهل… ولا كنت قادرة أتكلم فيه قبل كده… أنا… أنا كنت حامل، قبل أي عمليات وفحوصات… بس الجنين كان عنده مرض نادر جداً، مرض مميت، الأطباء قالوا إنه مفيش أمل… كنت مضطرة أتعالج بسرية عشان ما أدمركش، عشان ما تخسرش حياتك ولا مستقبلك…”