نور التي عادت من الرماد ج١

نورا صرخت أول ما شافت ابنها.
— “ساند!”
إيديها كانت بتترعش بعنف وهي بتحاول تقرب من الشاشة كأنها تقدر تسحبه لحضنها.
لكن كمال الجبالي كان هادي بشكل مرعب.
لابس بدلة رمادي غامق، وشعره الأبيض مترتب بعناية، وعلى وشه نفس الابتسامة الباردة اللي افتكرتها نورا من ليلة الحادثة.
الطفل كان نايم على صدره، مش مربوط، ومفيش حد بيأذيه.
وده كان أسوأ.
لأن الراجل ده واثق جدًا.
كمال بص للكاميرا مباشرة وقال: — “مساء الخير يا نور.”
نورا جسمها كله اتجمد.
— “إرجعلي ابني!” صرخت وهي بتنهج.
كمال ابتسم ابتسامة صغيرة. — “أبوك كان عنيد برضه.”
عادل قرب من التابلت بعصبية: — “إنت انتهيت يا كمال!”
كمال حتى مبصلهوش.
كل تركيزه كان على نورا.
— “عارفة إيه أكبر غلطة عملها أبوكي؟”
الصمت كان خانق.
كمال حرك إيده بهدوء على ضهر الطفل النائم. — “افتكر إن الحقيقة أهم من القوة.”
مازن شد فكه بعنف: — “لو لمست الولد—”
كمال أخيرًا بصله.
النظرة وحدها كانت كفاية تسكت أي حد.
— “إنت مجرد تفصيلة صغيرة جدًا في القصة دي يا مازن.”
الجملة وجعته بشكل غريب.
لكن نورا قاطعته بصوت مبحوح: — “عايز إيه؟”
كمال ابتسم.
— “أخيرًا… السؤال الصح.”
فتح ملف قدامه على المكتب.
— “الشريحة اللي معاكي ناقصة.”
عادل اتجمد.
كمال كمل: — “فؤاد مكانش غبي. قسم الملفات نصين.”
قلب نورا دق بعنف.
كمال قرب من الكاميرا: — “النص اللي عندك يثبت الفساد.” ابتسم ببرود. — “لكن النص اللي معايا يوقع ناس أكبر مني.”
الدكتور همس: — “يا نهار أسود…”
كمال قال بهدوء: — “سياسيين. قضاة. رجال أعمال. ناس لو وقعت… البلد كلها هتتهز.”
ثم بص لنورا مباشرة: — “وأبوكي كان ناوي يفضحهم كلهم.”
نورا افتكرت أبوها فجأة.
تعبه. خوفه. وإصراره الغريب الأيام الأخيرة قبل موته.
هو كان عارف إنه داخل حرب.
كمال شبك صوابعه بهدوء: — “دلوقتي عندك اختيار.”
نورا حبست نفسها.
— “يا تسلميني الشريحة… يا ابنك يكبر بعيد عنك زي ما إنتِ كبرتي بعيد عن أهلك.”
التهديد نزل كالسكاكين.
مازن قرب من الشاشة بغضب: — “لو فاكر إنك هتهرب—”
كمال ضحك لأول مرة. ضحكة قصيرة باردة.
— “أنا هربت خمس سنين كاملة بعد قتل عيلة كاملة… تتوقع صعب أخفي طفل؟”
الأوضة كلها سكتت.
لأن لأول مرة…
قالها صريحة.
قتل.
حتى عادل اتجمد من اعترافه.
لكن فجأة…
صوت صغير طلع من عند كمال: — “ماما…؟”
الكل بص للشاشة بسرعة.
الطفل صحي.
عينه كانت نصف مفتوحة، ووشه مرهق من العياط.
أول ما شاف نورا على الشاشة… مد إيده الصغيرة.
— “ماما…”
نورا انهارت.
دموعها نزلت وهي بتحاول تبتسم رغم الرعب: — “أنا هنا يا حبيبي… أنا هنا.”
كمال بص للطفل ثواني.
وفي لحظة غريبة جدًا…
ملامحه اتغيرت.
كأن حاجة قديمة وجعته فجأة.
لكنها اختفت بسرعة.
رجع بارد تاني وقال: — “عندك 24 ساعة يا نور.”
والشاشة… قفلت.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *