البند الثالث

 

قلت: ‘نعم، حضرة القاضي.’

 

قال: ‘وتتنازلين عن هالحق بإرادتك؟’

 

قلت: ‘نعم يا سيدي.’

 

ثبت عينه عليّ أطول من المتوقع بثانية.

 

ثم كملت الجلسة. وكملت أنا.

 

تصحيح هادئ. اعتراض نظيف. ولا كلمة زيادة.

 

كنت أحس التحول قبل ما يعترف فيه أحد. أمي وأبوي ما زالوا ما فهموا، لكن محاميهم فهم. صار يطالعني مدة أطول. يسمع أكثر. يعيد حساباته.

 

وبعدين سألني القاضي سؤال ثاني عن خلفيتي.

 

جاوبت.

 

كم ثانية بعدها، التفت القاضي لمحاميهم، وصوته كان هادي لدرجة إنه قطع القاعة كلها مثل السكين.

 

قال: ‘أنت فعلاً ما تعرف من تكون؟’

 

شفايف أمي انفتحت.

 

أبوي تحرك في كرسيه.

 

ومحاميهم، لأول مرة من دخلت، وقف ساكت.

 

القاضي نزل نظره على ملف قدامه، ورجع رفعه عليهم.

 

قال بهدوء: ‘قبل ما تكمل، يمكن لازم تسأل موكلينك ليش ما قالوا لك الحقيقة.’

 

أمي مسكت عقد اللؤلؤ بيدها.

 

وأبوي ناظرها كأنه عرف إن السر اللي دفنوه سنين بدأ يطلع للعلن… والقاضي كان ماسك الورقة اللي تثبت كل شي، …

القاضي ما اكتفى بالسؤال.

 

مد يده للملف الأزرق اللي قدمته، قلب الصفحة الأولى، وبعدين رفع عينه على محاميهم وقال: ‘قبل ما تكمل، أبيك تقرأ البند الثالث بصوت عالي.’

 

المحامي أخذ الورقة وهو يحاول يحافظ على هدوئه، بس يده خانته. طرف الصفحة كان يرتجف.

 

أمي نزلت عينها فوراً.

 

أبوي همس: ‘لا داعي.’

 

القاضي سمعه.

 

قال: ‘بل فيه داعي.’

 

قرأ المحامي أول سطرين، وبعدها صوته بدأ يضعف. البند ما كان مجرد كلام قانوني. كان يذكر اسمي بشكل واضح، ويقول إن أي تغيير في أملاك معيّنة لازم يتم بإشعار كامل لي، وبموافقة موثقة، وإلا يعتبر الإجراء قابل للإبطال.

 

القاعة صارت ساكتة لدرجة إني سمعت نفس أمي يتقطع.

 

المحامي توقف عند جملة، كأنه ما يقدر يكمل.

 

القاضي قال: ‘كمل.’

 

وهنا انكشف الشي اللي ما كانوا يبغون أحد يسمعه.

 

جدتي، قبل ما تموت، كانت كاتبة ملاحظة بخط يدها مرفقة مع الوثيقة. ملاحظة قصيرة، لكنها كانت كأنها راجعة من القبر عشان توقف بينهم وبيني.

 

كتبَت: ‘لا تسمحوا لهم بإخراجها من حقها فقط لأنها اختارت طريقاً لا يعجبهم.’

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *