البند الثالث

يوم دخلت محكمة نورفولك لحالي، أمي ضحكت وقالت إني أفقر من إني أجيب محامي، وأبوي طالع فيني كأني خسرت من قبل ما أتكلم، ومحاميهم كان يتعامل معي كأني بنت سهلة ينمسح اسمها من أوراق العائلة… لين سكت القاضي فجأة، طالع للجهة الثانية، وسأله سؤال واحد خلّى وجيه أمي وأبوي تصير بيضا.

 

مبنى المحكمة في نورفولك كان ريحته نفس ما أذكرها من سنين.

 

ورق قديم. ملمّع أرضيات. وبراد غريب ما يتغير، كأن المكان ما يهتم كم حياة دخلت من بابه وطلعت مكسورة.

 

وقفت برا قاعة 3B، شنطتي الجلدية القديمة على كتفي، وسمعت قبل لا أدخل.

 

صوت أمي وصلني أول شي.

 

قالت بنبرة واطية، بس مو كفاية: ‘ما راح تجيب محامي. قلت لكم من زمان، عمرها ما كان عندها انضباط تسوي شي من نفسها.’

 

غمضت عيوني ثانية وحدة.

 

بعدين فتحت الباب.

 

القاعة سكتت بالطريقة اللي تسكت فيها الأماكن لما الناس يحاولون يقررون مين له قيمة ومين لا.

 

أهلي كانوا جالسين على طاولة المدّعين، لابسين نفس لبسهم لما يبغون العالم يشوفهم بصورة كاملة. أمي بلؤلؤها. أبوي بجاكيت مكوي، ونفس النظرة القديمة اللي يلبسها إذا حكم على شخص وانتهى منه. جنبهم محاميهم، أصغر مني، بدلة غالية، صوت ملمّع، ونوع الرجل اللي يظن إنه فهم القضية كلها من أول ما شاف امرأة داخلة لحالها.

 

أمي رفعت عينها عليّ ومسحتني من فوق لتحت بابتسامة صغيرة.

 

قالت: ‘شوفوا مين قررت تحضر.’

 

مشيت بين المقاعد بدون ما أرد، وحطيت شنطتي على طاولة الدفاع.

 

أبوي رجع بظهره وسأل: ‘جايه لحالك؟’

 

قلت: ‘إيه.’

 

وهالكلمة كانت كفاية.

 

أمي طلعت ضحكة قصيرة، وقالتها بصوت يسمعه نص الحضور: ‘ما عندك فلوس تجيبين محامي. مثيرة للشفقة.’

 

كم شخص في المقاعد تحرك بتوتر. كم واحد ظل ساكت. ورجل في الخلف ابتسم فعلاً.

 

ما تفاعلت.

 

أنا تعلمت من بدري إن الناس يصدقون أسهل رواية عنك، لين تجي الحقيقة وتجبرهم يتعبون شوي.

 

قلت بهدوء: ‘بمثّل نفسي.’

 

محاميهم رفع حاجبه. النظرة الصغيرة اللي تبادلها مع أمي وأبوي قالت كل شي. قضية سهلة. بنت سهلة. نهاية سهلة.

 

اللي ما كانوا يعرفونه، إني قضيت أغلب عمري في غرف أصعب من هذي القاعة.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *