ليله امس حين ضربني ابني
لم يكن هناك حديث…
ولا راحة…
ولا ظلّ كافٍ.
فقط حركة مستمرة… وتعب لا ينتهي.
قال عبد القادر بهدوء:
“ستستيقظ قبل الفجر…
تخرج مع القطيع…
تمشي لساعات تحت الشمس…
تراقب كل رأسٍ فيه…
وإذا ضاع واحد… تتحمّل أنت ثمنه.”
سكت لحظة، ثم أضاف وهو ينظر إليه مباشرة:
“ستحمل الماء بيدك وتنظف بيدك وتتعب بيدك…”
ثم اقترب خطوة واحدة، وقال بصوتٍ منخفض لكن حاسم:
“هنا… لا أحد يعمل عنك.”
صمت لحظة، ثم قال الجملة التي أنهت كل شيء:
“وهنا ستتعلّم… أن كل شيء له ثمن… وأن هناك من دفع عنك هذا الثمن لسنوات دون أن تشعر.”
مرّت الساعات الأولى ببطءٍ قاتل.
لم يُعطَ فرصة للراحة ولا حتى ليفهم ما يحدث حوله.
في الظهيرة، وجد نفسه يسير خلف القطيع، يحاول أن يسيطر عليه، بينما الشمس فوق رأسه كأنها تضغط عليه بلا رحمة.
كانت الأرض حارّة والخطوات ثقيلة…
والأنفاس تتسارع مع كل مترٍ يقطعه.
تعثّر أكثر من مرة صرخ غاضبًا…
تذمّر بصوتٍ مسموع ثم صمت، حين أدرك أن لا أحد سيجيبه.
وفي كل مرة يخطئ…
كان يرفع عينيه فيجد نظرة والده فقط.
صامتة… ثابتة…
كأنها تقول له إن هذا التعب ليس جديدًا… بل متأخرًا.
ومع كل ساعة تمرّ…
بدأ يشعر بشيءٍ لم يعتده من قبل.
ليس مجرد إرهاق…
بل ثقل… يشبه المسؤولية.
مع غروب الشمس…
جلس ياسين أخيرًا على الأرض، منهكًا، أنفاسه متقطعة، وملابسه مغطاة بالغبار والعرق، كأن اليوم سحب منه كل ما كان يظنه قوة.
مرّ عبد القادر بجانبه، دون أن ينظر إليه، وقال بهدوء:
“غدًا… تبدأ
قبل الفجر.”
رفع ياسين رأسه بصعوبة، وقال بصوتٍ مبحوح:
“أنا… لا أستطيع الاستمرار هكذا.”
توقف عبد القادر هذه المرة.
التفت إليه ببطء… ونظر إليه نظرة طويلة، ثم قال:
“وأمك لم تكن تستطيع.”
صمت.
كأن الجملة سقطت فوقه بثقلٍ لم يتوقعه.
اقترب خطوة، وأضاف بصوتٍ أهدأ، لكنه أشد وقعًا:
“كانت تعود من عملها متعبة… مثلما أنت الآن،
تقف في المطبخ لساعات… وتوفّر لك ما تحتاج،
وتدفع عنك أخطاءك… وتغطي عليك حين تخطئ،
وتنام وهي تفكّر كيف تحميك من نفسك.”
سكت لحظة، ثم قال:
“كانت تتحمّل… وحدها.”
لم ينظر إليه ياسين…
لكنه لم يعترض.
في تلك الليلة…
استلقى على فراشه بصعوبة، وجسده يئنّ من التعب، لكن النوم لم يأتِ.
لم يكن الإرهاق وحده ما يمنعه بل صورة واحدة أمه.