ليله امس حين ضربني ابني

لم يرها كما كان يراها دائمًا…

بل كما لم يحاول أن يراها من قبل.

امرأة… تتعب وتصمت وتتحمّل دون أن تشتكي.

شعر بشيءٍ يضغط على صدره.

ولأول مرة منذ سنوات…

لم يكن غضبًا.

وفي تلك اللحظة أدرك حقيقة واحدة فقط…

أنه لأول مرة في حياته لا يملك طريقًا للهروب.

مرّت الأيام ببطء، لكنّها لم تمرّ دون أثر.

تعلّم ياسين كيف يسير خلف القطيع، كيف يراقب حركته، وكيف يفهم صمته، لكنّه لم يتعلّم بعد كيف يكون حاضرًا بكل انتباهه.

وفي أحد الأيام، حين اشتدّ الحرّ، جلس قليلًا ليستريح، ظنّ أنّ الأمور تحت السيطرة وأنّ القطيع لن يبتعد.

لم يحتج الأمر أكثر من لحظة واحدة من الغفلة. ابتعد خروف قليلًا، ثم تبعته أخرى، ومع انشغاله لثوانٍ

ظنّها عادية، كان القطيع قد اقترب من أرض وعرة لم ينتبه لها. 

حين التفت أخيرًا، اندفع نحوهم مسرعًا، يصرخ ويحاول أن يلحق بهم، لكن الوقت كان قد تأخر، فقد انزلقت إحداها وسقطت أمام عينيه.

توقف في مكانه، ينظر دون أن يتحرك، وقلبه يخفق بعنف، وكأن ما حدث أكبر من أن يستوعبه في تلك اللحظة. لم تكن مجرد خسارة عابرة، بل نتيجة مباشرة لإهماله، لحظة واحدة كشفت كل شيء.

بعد دقائق، وصل عبد القادر. نظر إلى الخروف الساقط، ثم إلى ياسين، ولم يغضب ولم يرفع صوته، بل قال بهدوءٍ كان أشد وقعًا من أي صراخ:

“هنا… الخطأ له ثمن، وأنت اعتدت أن يدفع غيرك هذا الثمن.”

“ما حدث اليوم ليس خطأً عابرًا… بل هو طبع فيك.”

تجمّد في مكانه، وكأن الكلمات أصابته دفعة واحدة.

سكت عبد القادر لحظة، ثم أضاف بنبرة أعمق:

“كما امتدت يدك على أمك… امتدّ إهمالك اليوم ليؤذي ما لا يستطيع الدفاع عن نفسه.”

ساد صمت ثقيل، لكنه لم يكن اتهامًا بقدر ما كان مرآة وُضعت أمامه فجأة، ليرى نفسه كما هي، دون تبرير أو هروب. وفي تلك اللحظة، أدرك ما كان يتجنّب رؤيته طوال الوقت.

وفي مكانٍ آخر، لم تكن أمه تنتظر. في الدار البيضاء بدأت حياة جديدة بهدوء، حياة لا تقوم على الخوف أو التبرير.

أعادت ترتيب بيتها كما تريد، وتخلّت عن أشياء كثيرة كانت تحتفظ بها من أجله، حتى غرفته لم تعد كما تركها. لم تمحه من قلبها، لكنها توقفت عن الدوران حوله.

وصارت تخرج دون قلق، وتعود دون خوف، وتنام دون أن تنتظر صوت الباب كما كانت تفعل كل ليلة.

ولأول مرة منذ سنوات،

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *