شهر من الخداع محمد نور

حماتي مثّلت إنها في غيبوبة شهر كامل عشان تسافر مع جوزي ولما رجعت طلبت مني أخدم العيلة كلها، كانت المفاجأة اللي مستنياهم أكبر من خيالهم!
في نفس اليوم اللي ولدت فيه ابني بعملية قيصرية، جوزي اتصل بيا وقال إن أمه عملت حادثة خطيرة.
كان بيتكلم بصوت مكسور، وكأنه على وشك الانهيار.
يا مريم، أمي حالتها خطيرة جدًا!
عملت عملية طوارئ، والدكاترة بيقولوا إنها ممكن تدخل في غيبوبة وتفضل في حالة شبه الموت!
كنت لسه في المستشفى، وفي إيدي المحلول، وجرح العملية بيوجعني مع كل حركة.
الدكتور كان لسه قايل لي إني فقدت دم كتير أثناء الولادة، وإن جسمي ضعيف ومحتاجة حد يساعدني في الأسابيع اللي جاية.
ومع كل التعب اللي كنت فيه، لقيت نفسي أنا اللي بطمن جوزي.
خليك جنب والدتك يا أحمد.
متقلقش عليّا، أنا هتصرف.
في نفس الليلة، أمي سافرت من البلد وجت لي عشان تقعد معايا وتساعدني.
لمدة شهر كامل، كانت هي اللي تسندني وأنا بحاول أقوم من السرير.
هي اللي كانت تجيب لي ابني لما الجرح يوجعني ومقدرش أتحرك.
هي اللي كانت تطبخ، وتغسل، وتنضف، وتصحى بالليل كل شوية عشان تساعدني مع البيبي.
وفي أوقات كتير، كانت بتنام وهي قاعدة على الكرسي من كتر الإرهاق.
أما أحمد، فكان كل يوم يكرر نفس الكلام.
ماما لسه مفاقتش.
مقدرش أسيبها لوحدها.
الدكاترة بيقولوا لازم نفضل نتكلم معاها عشان نحفز المخ.
يا ريتني كنت أقدر أبقى جنبك إنتِ والولد.
كنت بصدقه، وكنت بحس بالذنب إني مش قادرة أكون جنبه في محنته.
لحد ما في يوم، صاحبتي المقربة اللي كانت شغالة بره مصر بعتت لي شوية صور.
أول ما فتحت الصور، حسيت إن قلبي وقف.
كان أحمد ظاهر فيها بوضوح، ومعاه أمه!
الاتنين ماشيين في شارع سياحي، وبيضحكوا وهما بيتفرجوا على المحلات.
وفي صورة تانية، كانوا قاعدين في مطعم بياكلوا مأكولات بحرية.
وفي صورة تالتة، كانوا واقفين قدام البحر، وكل واحد في إيده مشروب، ووشهم مليان ابتسامات.
لكن الصدمة الأكبر كانت في تاريخ الصور.
واحدة منها كانت متصورة قبلها بأسبوع كامل!
حماتي مكنتش في غيبوبة.
ومكنتش حتى مريضة!
دي كانت مسافرة مع ابنيها، قصدي مع جوزي، في رحلة استجمام، بينما أنا كنت بتعافى من عملية قيصرية وبحاول أعتني بطفل لسه مولود.
والاتنين اخترعوا حكاية الحادثة والعملية والغيبوبة، لمجرد إنهم يهربوا من مسؤولية الوقوف جنبي في فترة النفاس!
فضلت أبص للصور فترة طويلة.
كنت ممكن أتصل بأحمد وأواجهه، أو أصرخ فيه وأطلب منه تفسير.
لكنني معملتش أي حاجة من دي.
لا اتصلت بيه، ولا سألته، ولا عملت مشكلة.
كل اللي عملته إني حفظت الصور، وسجلت التواريخ، واحتفظت بالرسائل والتسجيلات الصوتية اللي كان بيحاول فيها يقنعني إنه منهار من الحزن على أمه.
وبعدها بدأت أرتب لكل حاجة.
كنت مستنية الوقت المناسب وبس.
وفي اليوم اللي كملت فيه شهر من ولادتي، أحمد رجع البيت.
دخل وهو بيبتسم، وورا ضهره ظهرت حماتي، الحاجة نادية، ماشية على رجليها بكل نشاط وكأن مفيش أي حاجة حصلت لها.
أول ما شافتني، فتحت دراعها وصاحت بفرحة مصطنعة
يا حبيبتي!
دي معجزة! أنا فوقت النهارده، ورجعت لكم تاني!
كنت قاعدة برضع ابني، رفعت عيني وبصيت لها من غير ما أتكلم.
وشها كان مسمّر من الشمس، وخدودها موردة، وأظافرها متعملّة بعناية، وصحتها باينة أحسن من ناس كتير.
وده كله بالنسبة لواحدة المفروض إنها قضت شهر كامل بين الحياة والموت، من غير ما تتحرك من سرير المستشفى!
ابتسمت وقلت بهدوء
يا سلام! دي معجزة فعلًا.
سكت لحظة، وبعدين كملت وأنا ببصلها
الغريب بقى إن الغيبوبة شكلها كانت مريحة جدًا لحضرتك!
أحمد متهزش حتى.
كان مجهز الرد من قبل ما يدخل البيت.
قال بثقة
أنا كنت معاها ليل نهار، ومسيبتهاش لحظة واحدة.
حتى الدكاترة نفسهم قالوا إنهم عمرهم ما شافوا حالة زي دي، وإن التعافي ده معجزة.
حماتي مسكت إيده وضغطت عليها، وقالت بصوت كله امتنان
ابني ده تعب معايا تعب محدش يقدر يتخيله.
كان بينام بالعافية، ولو مكنش وقف جنبي، يمكن مكنتش رجعت لكم تاني.
بصيت للاتنين، وافتكرت صورة كانوا فيها ماسكين جوز هند، ولابسين قبعات الشاطئ وبيضحكوا قدام البحر.
لكنني اكتفيت إني أقول
الحمد لله، كويس إنكم رجعتوا بالسلامة.
أمي، اللي مكنتش تعرف أي حاجة عن كدبهم، فرحت من قلبها وهي شايفة حماتي واقفة على رجليها.
قالت لها بصدق
الحمد لله على سلامتك يا حاجة نادية، ربنا يتم شفاكي على خير.
حماتي حتى متكلفتش ترد عليها.
بدل كده، أحمد لف ناحيتها وقال
ماما، إنتِ تعبتي أوي الشهر اللي فات وإنتِ بتساعدي مريم.
أنا هحجز لك تذكرة ترجعي بيها البلد النهارده، عشان ترتاحي في بيتك.
أمي ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقالت بحرج
بس أنا مش لازم أمشي بسرعة كده يا ابني.
مريم لسه تعبانة، والبيبي لسه صغير ومحتاج رعاية.
والدكتور قال إنها لازم…
حماتي قاطعتها بحدة
خلاص بقى!
البيت هنا فيه أوضتين بس، وأنا هقعد معاكم الفترة الجاية عشان أستعيد صحتي وأرتاح.
ابتسامة أمي اختفت، وبصت لأحمد كأنها مستنية منه كلمة واحدة تطمنها.
لكنه كمل بكل برود
مريم خلصت شهر النفاس خلاص، وتقدر تعتمد على نفسها.
أمي نزلت عينيها وقالت بصوت واطي
حاضر يا ابني، يمكن أنا فعلًا مكنتش واخدة بالي إن وجودي هيضايقكم.
شفتها وهي بتفرك طرف جاكتها بإيديها من شدة الإحراج.
الست دي قضت تلاتين ليلة بتصحى مع ابني، وتساعدني وأنا مش قادرة أقف على رجلي.
كانت بتسهر وتطبخ وتغسل وتعمل كل حاجة من غير ما تشتكي.
ودلوقتي، أول ما خلصت مهمتها في نظرهم، قرروا يطردوها من البيت!
ساعتها أحمد بص لي وقال
وبعدين يا مريم، ماما لسه صحتها ضعيفة، ومينفعش تتعب نفسها في شغل البيت.
من النهارده إنتِ اللي هتتولي كل حاجة البيت، والبيبي، ورعاية ماما.
مش عايز أشوفها بتعمل أي مجهود.
أمي رفعت راسها بسرعة واعترضت
بس يا أحمد، مريم لسه عاملة عملية قيصرية!
دي لسه بتتعب لما تشيل ابنها شوية، إزاي هتقدر تعمل كل ده لوحدها؟
حماتي ضحكت بسخرية وقالت
يا حبيبتي، كل الستات بتولد!
أنا خلفت أحمد، وتاني يوم كنت بغسل الهدوم وبعمل شغل البيت عادي جدًا.
أحمد هز راسه موافقًا كلامها، وأضاف
وبعدين بر الوالدين ورعايتهم واجب على الزوجة الكويسة.
بصيت لأمي، وبعدها بصيت لجوزي وحماتي.
وفجأة ابتسمت وقلت
عندكم حق.
الاتنين ارتاحوا، وكأنهم أخيرًا قدروا يفرضوا سيطرتهم عليّا.
أحمد ابتسم وقال
كنت عارف إنك عاقلة وهتفهمي الكلام.
هزيت راسي وقلت
طبعًا.
متقلقوش، أنا ههتم بكل حاجة كويس جدًا.
بعدها أخدت أمي وروحت معاها المحطة عشان ترجع البلد.
طول الطريق كانت ساكتة، ولما وصلنا، عينيها اتمَلَت بالدموع.
قالت لي وهي ماسكة إيدي
مش عايزة أسيبك يا بنتي وإنتِ لسه بالحالة دي.
قلبي مش مطاوعني أمشي وأسيبك لوحدك.
مسحت دموعها وقلت لها
يا أمي، إنتِ عملتي أكتر من اللي عليكي بكتير.
إنتِ تعبتي عشاني وعشان ابني، ودلوقتي جه دوري أنا.
افتكرت إنها فهمت إني بتكلم عن إني هتحمل المسؤولية وأسكت.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
لما رجعت البيت، لقيت حماتي قاعدة بتتكلم في التليفون وبتضحك بصوت عالي، بنشاط ما يناسبش واحدة لسه خارجة من غيبوبة مزعومة!
أول ما شافتني، أنهت المكالمة بسرعة وقالت
بكرة هنعمل حفلة السبوع المتأخرة للبيبي!
أنا عزمت

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *