مش هتخرجي من البـ.ـيت حكايات بسمه
حماتي كانت بتبص لي وهي تقريبًا مبسوطة.
أخت خالد وطت عينيها في طبقها.
وياسين رجع في كرسيه وهو مبتسم كأنه كسب معركة.
أما أنا…
فبصيت لخالد وقلت:
— حاضر.
ضحك ياسين.
وخالد افتكر إني استسلمت.
لكنهم ماكانوش يعرفوا إنهم ارتكبوا أكبر غلطة في حياتهم.
طلعت أوضتي وقفلت الباب.
وبمجرد ما بقيت لوحدي، فتحت درج مكتبي وطلعت ملف كنت مخبياه من شهور.
جواه عقود ملكية.
وحسابات بنكية.
وأوراق الشركة.
وقرأت أول ورقة للمرة الأخيرة.
البيت…
مش باسم خالد.
والفيلا اللي بيقضوا فيها الصيف…
مش باسم خالد.
وحتى جزء كبير من السيولة اللي الشركة بتشتغل بيها…
كان جاي من صندوق استثماري أنا المالكة الوحيدة له.
اتصلت بمحامي العيلة، مروان.
— مروان، أنا جاهزة.
سكت شوية وقال:
— متأكدة يا هالة؟
بصيت للباب.
— جدًا.
— أبدأ إجراءات الانفصال؟
— ابدأ كل الإجراءات.
قبل منتصف الليل، كنت خرجت من البيت من غير ما حد يحس.
لكن قبل ما أمشي، سيبت ورقة واحدة فوق مكتبي.
وفي الصبح…
دخل مروان البيت.
كان خالد واقف مستغرب من شكله.
مروان كان ماسك ملف، ووشه شاحب.
بص لخالد وقال بصوت منخفض:
— إنت عملت فيها إيه بالظبط؟
خالد عقد حواجبه:
— تقصد مين؟
مروان حط الملف قدامه وفتحه.
— مراتك.
وبعدين قال:
— لأنها من ساعة ما خرجت من البيت… سحبت منك كل الصلاحيات.
لكن الصدمة الأكبر كانت في الورقة اللي سيبتها هالة.
لأنها ماكانتـش طلب طلاق بس…
كانت بتبلّغ خالد إن البيت والشركة والأموال اللي كان فاكرها ملكه… عمرها ما كانت ملكه من الأساس.
حكايات بسمة
خالد اتسمر مكانه، والضحكة اللي كانت على وشه من ليلة البارحة اتخلعت فوراً.
ياسين كان واقف جنبه بيشرب القهوة ببرود، لكن وشه اتقلب لما شاف مروان، محامي العيلة الشهير، واقف في نص الصالة وشه زي الطباشير وإيديه بتترعش وهو ماسك الأوراق.
خالد حط إيده في جيبه وسأل بنبرة فيها مكابرة:
— «سحبت الصلاحيات إزاي يعني يا مروان؟ هي اتجننت ولا فاكرة نفسها بتلعب في ممتلكاتي؟»
مروان بص له برحمة وشفقة، ورمى الأوراق على الترابيزة القدامية:
— «ممتلكاتك إيه يا خالد؟! افتح الأوراق دي واقرأ بنفسك! هالة مش بس سحبت السيولة.. هالة قفلت الصندوق الاستثماري اللي كان بيمول شركتك بـ 15 مليون جنيه خط إئتمان يومي! يعني شركتك من الساعة 9 الصبح دي بقت مفلسة ورسمياً تحت الحظر البنكي!»
ياسين رمى مج القهوة على الأرض بغضب وصرخ:
— «إنت بتقول إيه يا متر؟! هي مش مجرد شريكة بأسهم صغيرة؟! الشركة دي باسم أبوي!»
مروان لف له وبص له بنظرة حادة:
— «الشركة باسم أبوك كمدير تنفيذي يا أستاذ ياسين! لكن عقد التأسيس والأصول كلها مرهونة لصالح الصندوق الاستثماري اللي هالة كتبت ملكيته المباشرة باسمها هي وباسم أختها من 5 سنين لما أنقذت أبوك من السجن في قضية الشيكات! هالة هي المالك الفعلي لـ 80% من أصول المؤسسة!»
خالد رجليه ما شالتهوش، وقع على الكنبة بصدمة ونفسه اتقطع:
— «طب.. طب والفيلا؟ والبيت ده اللي إحنا قاعدين فيه؟!»
مروان طلع إخطار إخلاء رسمي بختم المحكمة ورماه قدامه:
— «البيت ده والفيلا بتوع الصيف مسجلين باسم “هالة” بالشهر العقاري من قبل ما تتجوزك بسنتين.. وهي قدمت طلب إخلاء فوري للمبنى بصفتها المالك الوحيد، ومعاك 48 ساعة فقط عشان تلم هدومك إنت وابنك وعيلتك وتخرجوا بره!»
حماتي، اللي كانت قاعدة بتشرب شاي وبتمصمص شفايفها بشماتة، الفنجان وقع من إيدها واتكسر، وقامت تصرخ:
— «إيه؟! تظردنا بره بيت ابننا؟! البت دي اكيد مزورة الورق ده! روح بلّغ عنها يا خالد!»
مروان ابتسم بسخرية:
— «تزوير إيه يا حجّة؟! الورق ده أنا شخصياً اللي كتبته من 7 سنين بطلب من خالد عشان يضمن إن هالة تمول الشغل! خالد كان عارف كل كلمة.. بس نسى مع الوقت وفاكر إن السكوت والذوق بتاع هالة ضعف!»
في نفس الوقت..
كنت قاعدة في مكتبي الجديد في برج الاستثمار بالدقي، لابس بدلة سوداء أنيقة، وبشرب القهوة بهدوء وأنا بتابع الشاشات قدامي.
التليفون رن.. كان خالد.
ما رديتش.. سيبته يرن 5 مرات لحد ما التليفون سكت.
وبعدها بدقيقة، جاءتني رسالة منه:
(هالة.. أرجوكي ردي.. إحنا لازم نتكلم.. الموضوع كبر وفيه خراب بيوت).
رديت عليه بمسج قصيرة جداً:
(مش أنا اللي ممنوعة من الخروج لحد ما أعتذر لابنك؟ أنا أهو بره البيت.. واللي عايز يكلمني يتكلم مع المحامي).
بعد ساعتين..
خالد وياسين يجوا تحت مبنى الشركة، وكانوا محاولين يدخلوا للبرج، بس أمن المبنى منعهم بناءً على تعليماتي.
خالد كان بينادي بصوت جنوني في الممر:
— «يا هالة! انزلي كلميني! ما تهدّيش اللي بنيناه في سبع سنين عشان أزمة عابرة!»
نزلت له في البهو الرئيسي.. كنت ماشية بخطوات ثقيلة وواثقة، وحراسي حوليّ.
أول ما خالد شافني، قرب بلهفة ووشه كان مليان دموع ورجاء:
— «هالة.. أنا آسف! أنا غلطت لما صرخت فيكي قدام العيلة.. ياسين كان غلطان وأنا هخليه يبوس إيديكي ورجليكي دلوقتي! بس بلاش تخربي بيتنا وتضيعي شقا عمرنا!»
ياسين كان واقف وراه.. الكبرياء المزيف اللي كان على وشه البارحة اختفى تماماً، بقى يبص للأرض برعب وذل، وقال بصوت متقطع:
— «طنط هالة.. أنا.. أنا آسف.. أنا ماكنتش أقصد أكسر الكوباية ولا أرفع صوتي.. أرجوكي بلاش تقفلي الشركة وأنا يوعدك مش هطلب جنيه تاني!»
بصيت لياسين ببرود تام.. ابتسمت نفس الابتسامة الباردة اللي هو ابتسمها لي ليلة البارحة لما كسر كوباية جدتي، وقلت له:
— «أووبس.»
ياسين اتصدم وبلع ريقه.
التفتت لخالد وقالت بصوت صلب زي الماس:
— «خالد.. السبع سنين دول أنا ماكنتش عايشة مع راجل يحميني.. أنا كنت عايشة مع شمسية بتمولكم وبتحميكم من الفقر والإفلاس. أنت وابنك فاكرين إن الفلوس دي حق مكتسب لمجرد إنكم رجالة؟ الفلوس دي فلوسي أنا وشقايا أنا.. وأنتوا استغليتوا طبتي وحلمي لحد ما افتكرتوها ضعف.»
خالد مسك إيدي بلهفة:
— «هالة عشان خاطري.. أدينا فرصة ثانية! أنا هكتبلك تنازل عن كل حاجة وهبعد ياسين خالص عن الشركة!»
سحبت إيدي منه بهدوء ورقي:
— «الفرص خلصت يا خالد من اللحظة اللي سمحت فيها لابنك يكسر أثمن حاجة عندي ويشتمني قدام أهلك، وأنت تطردني من بيتي اللي أنا شرياه بفلوسي.. قضية الطلاق اترفت الصبح، والأورق كلها قدام القاضي. ومعاك لحد بكرة الساعة 8 الصبح تكون فضيت بيتي.. وإلا البوليس هو اللي هيخرجكم بنفسه.»
بعد شهرين..
تنفيذ الأحكام القضائية تم بالكامل.
خالد اضطر يبيع عربيته الأخيرة وأسهمه الباقية عشان يسدد القروض والديون اللي اتراكمت عليه بعد ما سحبت تمويل الصندوق، ورجع يعيش مع أمه وأخته في شقة إيجار صغيرة في منطقة شعبية.
ياسين اضطر يشتغل لأول مرة في حياته موظف بسيط بمرتب غير كافي في أحد المعارض، بعد ما استوعب إن أدوار البطولة والافتراء اللي كان بيعملها كانت على حساب ست هي اللي كانت ساندة كيانه كله.
أما أنا.. فرجعت لبيتي النظيف، أعدت ترتيب مكتبي، وحطيت البرواز الجديد في نص الصالة.
عرفت ساعتها إن الهدوء في مواجهة الإهانة مش استسلام.. ده أوقات بيكون الهدوء الذي يسبق العاصفة، العاصفة التي ترجّع كل واحد لحجمه الطبيعي.