همسه في الظلام ج٣ شروق خالد

ابتسمتُ وقلت: “أنا اتعودت… بس الليلة دي مختلفة. الليلة دي أقدر أنام وأنا مطمن.”

صعدنا السلم معاً، وعند باب الغرفة التي شهدت بداية كل شيء، توقفت خديجة ونظرت إليّ: “شكراً يا حمزة… على كل حاجة.”

“أنا اللي بشكرك يا خديجة،” أجبتُها بصدق. “أنتِ غيرتي حاجات كتير الليلة دي… مش بس في الشركة.”

دخلت خديجة إلى غرفة الضيافة المجهزة لها، بينما دخلتُ أنا إلى غرفة نومي. ألقيتُ بما في يدي على الطاولة، ولأول مرة منذ سنوات طويلة، شعرتُ برغبة حقيقية في النوم دون أن أستيقظ على صوت حفيف أو جرس هاتف.

استلقيتُ على السرير، وعبق المطر والهدوء يملأ المكان. وعلمتُ وأنا أغلق عينيّ أن حياتي السابقة القائمة على الخوف والشك قد انتهت إلى الأبد، وأن معركة جديدة كلياً—أكثر دفئاً وأملاً—قد بدأت للتو.

مرّ أسبوعان على تلك الليلة.

تغيّر كل شيء في مقر “النيل للوجستيات”. المكتب الفخم المشرف على المرفأ، والذي كان يخص إبراهيم لسنوات، أصبح يحمل الآن لوحة نحاسية أنيقة بكُتب عليها: خديجة إبراهيم – نائب رئيس مجلس الإدارة.

لم تعد تلك الفتاة التي تتفادى النظرات؛ ارتداء البدلات الرسمية لم يغير تواضعها، لكنه منحها هيبة مستحقة. الموظفون الذين كانوا يمرون بجانبها دون اهتمام، أدركوا سريعاً أن كلمتها أصبحت صلبة ككلمتي تماماً.

في مساء يوم خريف دافئ، كنتُ أقف أمام النافذة الزجاجية الضخمة في مكتبي، أراقب السفن التجارية وهي تتراص في المرفأ الجديد. كانت حركة الشحن تسير بدقة ساعة سويسرية، والشركة تحقق أرباحاً غير مسبوقة بعد تطهيرها من صبيان “طاهر عبد الجليل”.

طُرِق الباب بدقتين منتظمتين.

“ادخل.”

دخلت خديجة تحمل المجلد الجلدي الخاص بالصفقة الألمانية الجديدة. وضعت الملف على مكتبي، لكنها لم تغادر كعادتها.

رفعتُ عينيّ إليها ونظرتُ في عينيها بثبات: “في مشكلة في الأوراق؟”

ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت: “لأ، الأوراق جاهزة ومراجعة بند بند. بس في حاجة تانية…”

أخرجت من حقيبتها ظرفاً أبيض صغيراً ووضعته فوق الملف.

حجبتُ حاجبيّ واستفسرت: “إيه ده؟”

“ده مبلغ الديون الطلابية اللي كانت عليا،” قالتها بنبرة يملؤها الفخر والراحة. “شيك بسداد آخر قسط. النهاردة قفلت الملف ده للأبد… وحبيت إنك تكون أول حد يعرف.”

نظرتُ إلى الظرف ثم إليها، وشعرتُ بامتنان غريب يغمرني. تلك الفتاة التي دخلت شركتي منذ سنتين تبحث عن مجرد أمان مالي للهروب من ديونها، أصبحت الآن تقف على أرض صلبة، حرة ومستقلة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *