همسه في الظلام ج٣ شروق خالد
“عملتُ كويس يا حمزة بيه؟” سألتني بنبرة خافضة تحمل رجاء الصبيّة التي تنتظر التقييم.
وقفتُ أمامها، ونظرتُ في عينيها مباشرة دون أي حاجز.
“عملتِ اللي محدش غيرك كان يقدر يعمله يا خديجة،” قلتُها وأنا أمدّ يدي لأعدّل ياقة بدلتها الأنيقة بتأنٍّ. “المرفأ بقى بتاعنا… وأنتِ من اللحظة دي بقيتي شريكتي الرسمية في كل خطوة جاية.”
ابتسمت ابتسامة دافئة أذابت كل جبال الثلج والإرهاق التي تراكمت في صدري على مدار ست وثلاثين ساعة.
أمسكتُ بيدها ونزلنا درجات المبنى نحو السيارة، وفي تلك اللحظة بالذات، علمتُ أن الليلة التي بدأت بأحذية مبتلة ورعب في غرفة نومي، كانت بداية لأقوى فصل في حياتي.
انطلقت السيارة بنا في شوارع القاهرة التي بدأت تدب فيها الحياة مع ساعات الصباح الأولى. كان الجو داخل السيارة دافئاً ومختلفاً تماماً عن البرودة التي عشتها طوال السنوات الماضية.
التفتُّ نحو خديجة، وكانت تتأمل أضواء المدينة المنعكسة على زجاج النافذة.
“مرتاحة؟” سألتُها بنبرة هادئة.
التفتَت إليّ وابتسامة خفيفة ترتسم على وجهها: “لأول مرة من سنتين… حاسة إني بتنفس بجد يا حمزة بيه.”
“حمزة بس،” قلتُها وأنا أنظر في عينيها. “برة شغل الشركة… اسمي حمزة بس.”
احمرّت وجنتاها خجلاً، وأومأت برأسها في صمت.
وصلنا إلى القصر. كان علي ينتظرنا عند البوابة الرئيسية، ومعه ملف جديد. نزلنا من السيارة ودخلنا البهو الكبير.
قدم علي الملف لي وقال بنبرة جادة: “حمزة بيه… إبراهيم اعترف بكل حاجة. طاهر عبد الجليل كان دافعله مليون جنيه علشان يبدل الملفات ويورطنا مع المحافظة. وإبراهيم حالياً محتجز في المزرعة القديمة تحت حراسة مشددة.”
نظرتُ إلى خديجة التي بدا عليها القلق فور سماع اسم إبراهيم، فوضعتُ يدي على ظهرها بأمان وقُلت لعلي: “إبراهيم يتحول للجهات المختصة فوراً بتهمة التصرفات المالية المخالفة وسرقة أوراق الشركة. مش عايز أوسّخ إيدي بيه… المساءلة القانونية كفيلة تواجهه بكل اللي عمله.”
تفاجأ علي من قراري؛ فقد كان يعلم أن التعامل مع الخيانة في عالمي عادة ما يكون أشد بكثير. لكنه أومأ برأسه وقال: “أمرك يا باشا.”
بعد أن غادر علي، التفتُّ إلى خديجة وقُلت: “أنتِ محتاجة ترتاحي. بقالك أكتر من يومين صاحية.”
“وحضرتك؟” سألتني باهتمام صادق. “أنت كمان مانامتش من أكتر من أربعين ساعة.”