حمايا وليله فرحي انجي الخطيب

بعد سنتين من الحكم عليهم وتشميع بيت حمايا بالكامل، كنت فاكرة إن الفصل ده اتطوى والأيام كفيلة تخليني أنسى. اتخرجت، ورجعت لشغلي في شركة الديكور، وحاولت بكل طاقتي أبني حياة جديدة مفيهاش خيالات ولا خوف من الساعة 3 الفجر.
لكن الأحداث الحقيقية بيبقى ليها دايماً ديل طويل.
في يوم أربعاء عادي، كنت نازلة من مكتبي الساعة 5 بعد الظهر، وجايالي مكالمة من نمرة أرضي غريبة. رديت وأنا بركب عربيتي:
“ألو؟”
جالي صوت راجل هادي، فيه وقار غريب بس يزرع الشك في القلوب:
“يا أستاذة ندى… أنا المحامي عبد الرحمن، مسكّن موكل جديد عنده أراضي وممتلكات تخص العيلة إياها، وبيتواصل معايا عشان يعمل تسوية في القضايا المدنية والتعويضات اللي ليكي.”
قلت بجفاء وصرامة:
“أنا مش عايزة فلوس ولا تعويضات من العيلة دي، القضايا المقفولة مش هفتحها، وعايزة اسم العيلة ده يتمحى من حياتي.”
الراجل سكت ثواني، وبعدين نطق جملة خلت إيدي تتجمد على دركسيون العربية:
“أنا فاهم موقفك.. بس الموكل اللي معايا مش حماكي ولا كريم.. الموكل هو الشريك التالت اللي كان شاري الأرض معاهم، وموجود حالياً بره مصر.. وبيقولك إن الخريطة اللي كانت تحت السرير لسه نصها معاكي في الفستان القديم!”
جسمي اتخشب. الفستان!
فستان فرحي اللي قطعه حمايا وراميته في كرتونة فوق دولاب أوضتي القديمة في بيت أبويا من ليلتها وما مدتش إيدي عليه ولا بطق أشوفه!
قفلت السكة في وشه من غير ما أنطق كلمة. طلعت أجرى على بيت أبويا، دخلت أوضتي وشديت الكرتونة من فوق الدولاب وإيديا بتهتز. فتحتها، وطلعت الفستان الأبض اللي كان متوسخ ومتقطع من ناحية البطانة الداخلية.
مسكت الجاهة المتقطعة وبدأت أفرك البطانية الفايبر القاسية بإيديا… وفعلاً!
كان فيه جيب سحري صغير متخاط بفتلة بيضا جوة البطانة، مقفول بدبوس إبرة مصدي. فتحته بالراحة، وطلعت ورقة قماش زفرة ومعطنة، مرسوم عليها كروكي بدائي لبيت حمايا ومكتوب تحتيه بلغة عربية قديمة وحروف مقطعة:
“تحت البلاطة السادسة من الجدار الشرقي.. لا يفتح إلا بدم بكر من أهل البيت.”
في اللحظة دي فهمت كل حاجة. حمايا وكريم مكنوش بس عايزين يضحوا بيا.. دول كانوا زارعين خريطة الشفرة في فستاني عشان لو الشرطة دخلت أو الموضوع اتكشف، الورقة تفضل بعيدة عن عيون التحقيقات وفي أمان معايا من غير ما أدرى!
نزلت فوراً للنيابة العامة ومعايا المحامي بالورقة الجديدة. التفتيش التاني للشقة المشمعة جاب الخبير الأثري، ولما هدوا الحيطة الشرقية ورفعوا البلاطة السادسة، القوة أكتشفت مقبرة سرداب كاملة فيها قطع أثرية يرجع تاريخها للعصر المتأخر، وكان مخططلها تتهرب بره مصر لحساب شبكة دولية كاملة حمايا مجرد زرار فيها!
القضية اتقلبت من مجرد جريمة شروع في قتل محلي، لجريمة تهريب آثار كبرى أطاحت بناس كبار كانوا متغطين ورا العيلة دي.
النهاردة، لما بفتكر كل اللي حصل، بعرف إن الحق مابيموتش، وإن الليلة اللي افتكرتها أسوأ ليلة في حياتي، كانت السبب اللي ربنا اختاره عشان ينقذ بيه تاريخ بلد كامل كان بيتسرق في الضلمة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *