سبع سنوات من العمى

لم يعد المنزل بالنسبة له مجرد مساحة آمنة يتحرك فيها دون خوف من التعثر أو السقوط بل صار مكانا يحمل ذاكرة ونبضا ومعنى.

صار يعرفه بالكلمات التي استعارها من طفلة بالكلمات التي كانت تصف له الأشياء كما لو أنها ترى للمرة الأولى. تعلم أن الرخام ليس مجرد سطح بارد بل خطوط تحكي قصصا وأن الطاولة ليست قطعة أثاث بل مساحة يمكن أن تجمع وأن الصمت لا يكون دائما علامة نظام أو انضباط بل أحيانا علامة غياب.

علمته تلك الطفلة أن الأمان لا تصنعه الأنظمة وحدها ولا تحققه البرامج المعقدة أو الجدران السميكة بل تصنعه الأصوات التي تملأ الفراغ دون استئذان والوجوه التي تجلس معك بلا مصلحة والضحكات الصغيرة التي لا تدرج في الجداول ولا في التقارير.

ورغم أن الميزانيات ما زالت تبهر المحللين وأن الأرقام ما تزال تصعد بثبات يصر إدواردو على أن أكثر استثمار غير مسار حياته لم يكن صفقة ذكية ولا توسعا مدروسا ولا برنامجا ثوريا في عالم التقنية بل لحظة بسيطة غير محسوبة حدثت خارج كل المخططات.

تلك الليلة التي فعلت فيها ابنة عاملة التنظيف ما بدا مستحيلا في عالمه المنظم بعناية
جلست إلى جواره دون خوف دون تردد ودون أن تدرك أنها تعيد ترتيب حياته من جديد.
جلست وتحدثت وشاركت الخبز وملأت بصوتها مساحة ظلت صامتة سبع سنوات كاملة وكأنها تقول له دون كلمات إن الطاولات لم تصنع لتبقى فارغة وإن الحياة لا تقاس بعدد الخطوات الصحيحة بل بعدد القلوب التي تجرؤ على الاقتراب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *