سلفتي لغت حجز ال ٣٠ طقم لعيد ميلاد حمايا ج٢ منى السيد

لمحة نيوز
وكنا خايفين ورشة عزة متلحقش الكمية، فقولنا منضغطش عليها ونشيل عنها الحمل… مكنش قصدنا حاجة يعني.
هنا بقى كان لازم الكلمة تكون ليا. وقفت بوقار، وبصيت في عين شيرين مباشرة، وطلعت تليفوني بهدوء
لا يا شيرين، متجمليش الكلام اللي نزل زي الرصاص على قلبي. إنتي ملغيتيش الحجز عشان خايفة عليا، إنتي لغيتي حجز التلاتين طقم يوم الحفلة، الساعة حداشر وعشرة الصبح، بعد ما كنت مطبقة تلاتين يوم عشان أخلصهم. وقولتيهالي في وشي وفي ودني عيلتنا مش هتلبس حاجة طالعة من ورشة قديمة عطفة زي دي… وهنقول للناس إيه، خياطة من حتة شعبية؟ دي بيزنس وشغلك يصغرنا قدام الناس العالية.
التراس سكت تماماً. هشام اتسمر مكانه وبص لمراته وهو مش مصدق وشه راح فين من الخزي. حمايا عينه وسعت، ونار الغضب بانت في نظراته، ضرب بإيده على ترابيزة الخيزران ضربة خلت فناجين القهوة تتهز
الكلام ده حصل يا شيرين؟! بتستعري من شغل عزة؟! عزة اللي لما هشام كان في أول طريقه وبيمر بأزمة كانت ورشتها بتصرف على بيته قبل بيتها؟! عزة اللي هدومها من تلاتين سنة بتسترنا وتشرفنا في كل حتة؟!
شيرين اتوترت وصوتها ابتدى يعلى بالدفاع عن النفس
يا أنكل إنت فاهم غلط! عزة بتكبر المواضيع، دي أمور حريمي عادية، والناس الكبار في الحفلة ميعرفوش التطريز ده، دي ناس بتفهم في البراندات العالمية والمستوردة، إحنا كنا بنحافظ على اسم العيلة وشكل هشام في السوق! هو إحنا هنضحك على بعض؟ الورش دي لولاد البلد والطبقة الشعبية، مش لحفلات الفنادق الفاخرة!
طب والست عايدة البحيري، من الطبقة الشعبية برضه يا شيرين هانم؟ رميت الجملة دي في وشها زي القنبلة.
هشام مسك دماغه وشهق شهقة واطية، وشيرين لسانها اتربط وفضلت تبصلي بعيون مرعوبة.
حمايا استغرب وسأل بفضول
مين؟ عايدة البحيري؟! أرملة الحاج إسماعيل البحيري؟! مالها ومال ورشة عزة يا هشام؟
هشام، اللي كان طول عمره بيجري ورا شراكة أو حتى صفقة صغيرة مع شركات البحيري ومش طايل، مقدرش يداري أكتر من كده، اتكلم بصوت مهزوم ومكسور
الست عايدة نزلت بنفسها امبارح يا بابا… نزلت ورشة عزة في الحارة بالعربيات والحراسة، وكانت قالبه مصر كلها عليها عشان لقيت شغل قديم لعزة من تلاتين سنة في فرح بنتها. ودخلت وقعت معاها عقد إنتاج كولكشن كامل باسم عزة يمثل مصر في معرض التراث الدولي في باريس وميلانو… وعطتها شيك بملايين تحت الحساب.
حمايا فتح بوقه من الذهول، وبصلي كأنه بيشوفني بنور جديد خالص. وبعدين لف وشه لهشام وشيرين، وضحك ضحكة قوية مليانة سخرية ومرارة
يا للعار! يا للعار والجهل! الست اللي بتهز الاقتصاد في مصر، وبنت أعرق عائلات الصعيد، نزلت الحارة العطفة اللي بتستعري منها يا شيرين، عشان تدور على أصل الفن والأصالة، وإنتي رايحة تدفعي ألوفات في شوية قماش بلاستيك مستورد من ورا البحر عشان تقولي للناس عندي براند؟! مين اللي بيصغر العيلة دلوقتي؟ الخياطة اللي شرفتنا وهترفع اسم مصر في باريس، ولا السطحية اللي متفهمش غير في القشور والمنظرة الكدابة؟!
شيرين عينيها دمعت من القهر والخزي، بصت لهشام تستنجد بيه، بس هشام زق إيدها عنه بعنف وقالها
اسكتي بقى! اسكتي خالص وضيعتينا وضيعتي هيبتنا! طول عمرك فاكرة الرقي بالفلوس والماركات، وضيعتي من إيدنا أكبر فرصة كنا نحلم بيها، وكسرتي بخاطر أجدع ست في العيلة دي!
طلعت الشيك ونسخة العقد من الشنطة، وحطيتهم بهدوء قدام حمايا على الترابيزة
أنا مجيتش هنا يا عمي عشان أشتكي ولا عشان أعمل فتنة بين راجل ومراته. أنا جيت أقولك إن الهدوم اللي اتلغت متترماش، الهدوم دي فرقت على عرايس وناس غلابة في الحارة، واللي لبسوها دعولك في يوم عيد ميلادك بقلب أبيض ومخلص يمكن أحسن من دعوة مية وزير في الفندق. وجيت أديلك بدلتك دي هدية تليق بيك وبمقامك، وبقول لهشام ولمراته ربنا لما بيقفل باب في وش بني آدم عشان قلة أصله، بيفتحله أبواب السما كلها من غير ما يحسب.
شيرين مقدرتش تستحمل أكتر من كده، عيطت بانهيار وخدت شنطتها وجريت على السلم ونزلت على عربيتها، وهشام فضل واقف مطأطأ راسه قدام أبوه، مش قادر يرفع عينه في عيني.
حمايا مسك البدلة الكحلي، وقام وقف بكل طوله، شال الروب بتاعه ولبس جاكيت البدلة قدامنا. البدلة قعدت على كتافه كأنها متفصلة على روحه، دراعه اليمين اتحرك بكل سهولة وراحة، واللون الكحلي مع النخلة الدهبية خلوه كأنه باشا من بتوع زمان خارج من تابلوه فني قديم.
بص لهشام بصرامة وقاله
اتفضل انزل ورا مراتك، وخلي عندك دم وبلاش تفرط في أصلك تاني. ومن هنا ورايح، ورشة عزة دي متبقاش مجرد ورشة، عزة بقت فخر العيلة دي بجد، والاسم اللي هيتحط على المعرض هو اللي هيشيل اسم عيلة الدالي لفوق.
هشام بصلي بحزن وقال
حقك عليا يا عزة… سامحينا.
هزيت راسي من غير ما أرد، ونزل ورا مراته.
فضلنا أنا وحمايا في التراس لوحدنا، مد إيده وطبطب على كتفي بحنية أب مالوش مثيل
رفعتي راسي يا عزة، رفعتي راسي فوق الكل. ربنا يعوضك على صبرك وشقاكي، ومن النهاردة أنتي مش أسطى في حارة، أنتي أستاذة يعلم الناس كلها يعني إيه ستر ويعني إيه فن.
شربت قهوتي مع الراجل الطيب، وأنا حاسة براحة نفسية عمري ما دوقتها في حياتي. سبت الفيلا وخرجت، والشمس كانت بقت في كبد السما بتدفي الدنيا كلها.
رجعت على الورشة في الحارة، لقيت يافطة خشب جديدة كان نجار الحارة علقها من الصبح بدري هدية من أهل المنطقة، مكتوب عليها بخط عربي أصيل مدهب أتيليه الأسطى عزة الدالي للتراث المصري الراقي.
وقفت قدام الباب، بصيت للمكنة السنجر القديمة اللي عاصرت دموعي وشقايا، ومسكت مقصي الحديد اللي بيلمع. أم رحاب دخلت ورايا وهي بتشغل المروحة وبتقول
ها يا ست الكل، هنبدأ منين في كولكشن باريس؟
ابتسمت وربطت إيشاربي، وقلت وأنا بحط إيدي على توب الحرير الأخضر
هنبدأ من الأول يا أم رحاب… هنبدأ بالغرزة اللي ميعرفش يعملها غير ولاد الأصول. النهاية

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *