سلفتي لغت حجز ال ٣٠ طقم لعيد ميلاد حمايا ج٢ منى السيد

الفصل الثالث والأخير
الشمس لسه كانت بتشقشق في سماء القاهرة، وصوت كروان الصباح بيمتزج مع بياعين الفول والعيش في الشارع. الليلة اللي فاتت مكنتش ليلة عادية؛ مانمتش فيها دقيقة واحدة، مش من التعب ولا من الهم، لأ، كانت عيني مفتوحة من نشوة النصر اللي دوقته بعد مرار طويل، ومن الهيبة اللي حسيت بيها وأنا بجهز للخطوة الأخيرة.
كنت واقفة في ورشتي من الفجر، كويت البدلة الكحلي بتاعة حمايا لآخر مرة، ملست على القماش الصوف الإنجليزي الناعم، وظبطت الياقة بالمكواة البخار لحد ما بقت مسطرة، وبصيت للنخلة الدهبية المطرزة جوة السجاف وابتسمت. غطيتها بكفر قماش شيك ونضيف، وحطيتها على دراعي، وأخدت معايا شنطة جلد فيها نسخة العقد المبدئي اللي ملاه مساعد الست عايدة، والشيك المقفول، وخرجت.
أم رحاب قابلتني على أول الحارة بكوباية شاي بلبن سخنة وقرصتين من الفرن، وقالتلي وعينيها بتلمع
توكلي على الله يا ست عزة، ربنا مابيكسرش خاطر ولاد الحلال، واقفي قدامهم وراسك في السما زي ما عهدتك دايماً.
أجرت تاكسي مخصوص وطلعت بيه على فيلا حمايا المستشار عبد الرحيم الدالي في المعادي. الفيلا القديمة ذات الطراز الكلاسيكي، بجنينتها الواسعة وشجر المانجا العالي، كانت لسه نايمة بعد دوشة الحفلة الكبيرة اللي اتعملت من يومين.
الساعة كانت داخلة على تسعة الصبح لما البوابة الحديد اتفتحت ودخلت منها. عم إدريس البواب القديم رحب بيا بابتسامة حقيقية
خطوة عزيزة يا ست عزة، الباشا الكبير صاحي وقاعد في التراس بيشرب القهوة وبيقرأ الجرانين، حمد الله على السلامة.
مشيت في الممر الرخام، وشايلة البدلة على إيدي بثبات. أول ما طلعت درجات السلم للتراس المفتوح على الجنينة، شفت حمايا، راجل له هيبة القضاة القدامى، شعره أبيض زي القطن، لابس روبه الصوف الكستنائي وقاعد على كرسيه الهزاز. أول ما لمحني نزل نضارة القراءة على أرنبة أنفه وابتسم ابتسامة عريضة نورت وشه التعبان
عزة؟ يا مرحب يا بنتي، نورتي بيتك. تعالي، تعالي دا أنا زعلان منك ومخصمك كمان، بقى راجل يوصل للتمانين، ومراته التانية وحبيبته متجيش تفرح معاه وتسيب العيال دي يدوخوا بيا؟!
قربت منه، وطيت على إيده الطيبة بوستها بكل حب واحترام، وقعدت على الكرسي الصغير اللي جنبه
ألف بعد الشر عليك من الزعل يا عمي، دا أنت الخير والبركة وسند البيت كله، وأنا مقدرش على زعلك دقيقة واحدة. كل سنة وحضرتك طيب، ويديك الصحة وطولة العمر ويفضل حسك مالي علينا الدنيا.
الراجل اتنهد وبصلي بعتاب أبوي
أومال مجيتيش الحفلة ليه يا بنتي؟ قلقتيني عليكي. هشام قالي إنك تعبانة ومجهدة من الشغل، وشيرين فضلت تلف وتدور وتقول خياطة الأتيليهات اتأخرت وكلام كده مش داخل دماغي… بس أنا عيني فضلت رايحة جاية على باب القاعة مستني أشوفك إنتي ولبسك اللي متعود عليه، كل سنة بتفصليلي الجلابية ولا القفطان بإيدك، السنة دي لبسوني بدلة جاهزة من بتوع الزمالك، الياقة كانت خنقاني وكمها شادد على كتفي اليمين المخلوع، ومكنتش مرتاح طول السهرة!
كلامه قطع في قلبي، وفي نفس الوقت أداني القوة إني أكمل.
سلامة كتفك يا عمي، البدلة الجاهزة مبتعرفش شقانا ولا بتفهم مقاس الوجع اللي في دراعك. إنما بدلتك اهي، جت في ميعادها، متفصلة غرزة غرزة عشانك أنت بالذات.
شيلت الكفر القماش بهدوء، وفردت البدلة الكحلي قدامه. الراجل أول ما لمس القماش وشه نور، مشى إيده المرتعشة على الخياطة، ولما فتح الصدر وشاف النخلة الصغيرة المطرزة بالدهب في السجاف، عينه دمعت من غير ما يحس.
النخلة دي… زي اللي في شجرة عيلتنا في البلد. إنتي يا عزة لسه فاكرة؟
عمري ما أنسى يا عمي. اللي ميعرفش أصله ميبقاش له فرع يضلل عليه.
وقبل ما يكمل كلامه، صوت فرملة عربية عالي رن في الحوش، وبعدها بلحظات، صوت خطوات سريعة ومتوترة طالعة السلم. اتلفت، لقيت هشام أخو جوزي وشيرين داخلين التراس بهجوم، وشوشهم مخطوفة وعيونهم بتنطق رعب وغيظ. كان باين عليهم إنهم مناموش، أو إن البواب كلمهم أول ما دخلت فطاروا على هنا عشان يلحقوا المصيبة قبل ما تنفجر.
شيرين كانت لابسة نظارتها ومفرودة الضهر بمكابرة كدابة، وهشام وشه أحمر كأنه كان بيتخانق في الطريق.
صباح الخير يا بابا! هشام قالها بصوت بيحاول يخليه طبيعي وهو بيبصلي بنظرة كلها شك وعتاب إيه ده، عزة هنا؟ من بدري كده؟
حمايا رفع عينه ليهم ببطء، والنبرة الأبوية الحنينة اتحولت فجأة لنبرة مستشار بيبدأ جلسة محكمة
أهلاً يا هشام. أهلاً يا شيرين. خير، جايين بدري على غير عادتكم يوم الجمعة، في مصيبة في الشغل ولا إيه؟
شيرين دخلت في الكلام بسرعة وبنبرة مايعة متكلفة
لا يا أنكل بعد الشر، إحنا بس جينا نطمن عليك بعد مجهود الحفلة، وقولنا نفطر سوا… وشوفنا عربية عزة تحت، فقولنا ندخل نسلم عليها، أصلها وحشتنا ومجتش الحفلة ولا باركتلنا على الكولكشن اللي جيبناه من الزمالك!
بصيت لشيرين نظرة هادية جداً، وابتسمت ابتسامة خفيفة خلت عروق رقبتها تنفر. حمايا بص لشيرين وبعدين بص للبدلة الكحلي المفرودة قدامه، وقال بصوت جهوري
كولكشن؟! هو إنتوا مسبتوش عزة تعمل الهدوم عشان جايبين كولكشن جاهز؟!
هشام اتلخبط وبص لمراته بقلة حيلة، بس شيرين بلعت ريقها وردت ببرود مصطنع
يا أنكل، الحفلة كان فيها وزراء وسفراء ورجال أعمال، والوقت كان ضيق،

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *