حق التموين ج1
منى السيد
بشك ليه يعني؟ ما البقالين كلهم نصابين، وإنتي مكنتيش بتركزي في الحساب! لأ يا حضرة الراجل اللي بيمد إيده.. البقال مش نصاب، وأنا مش مغفلة. أمك كانت بتنزل كل شهر بالليل، تسحب جزء من حصتها ومن حصة محمود، وتبعتهم كراتين مع جوز الست سحر أختك في طنطا! وتخلي الحصة تيجي ناقصة، عشان لما أنا أروح أستلم الباقي تتهمني أنا قدامك وقدام البيت بالسرقة.. عشان تفضل حاطة راسي في الأرض ومقدرش أفتح بؤي، وفي نفس الوقت تأكل بنتها من خيركم وإنت قاعد يا غافل ليك الله!
المندرة اتقلبت. أحمد تنح، ووشه بقى لونه أصفر زي الليمونة إنتي بتقولي إيه؟ إنتي اتجننتي؟! أمي بتسرق ولادها؟! اسأل أخوك محمود.. شاورت على محمود اللي كان وشه جاب كل ألوان الطيف، وبدأ يعرق رغم إن الجو كان برد اسأله، مين اللي بيروح يوم 25 في الشهر مع أمه بالليل دكان عم محروس بعربية جوز أخته؟ مين اللي بيشيل كراتين الزيت والسكر قبل ما الشهر يبدأ ويحطها في شنطة العربية؟! ومين اللي بطاقتي أنا كمان اتسحبت باسمها كرتونة الشهر اللي فات من غير ما أعرف؟!
حمايا وقف على حيله، وعينيه بتطق شرار في محمود الكلام ده صحيح يا ولد؟! محمود ارتبك، ولسانه تقل يا.. يا حاج.. دي أمي، وهي اللي قالت لي سحر محتاجة وظروف جوزها في المعمار نايمة، وقالت لي متقولش لأحمد عشان نرمين متبصش في اللقمة وتعمل مشاكل..
أحمد قام وقف، الصدمة كانت شلاه تماماً. كان باصص لأخوه، وبعدين بص لأبويا، وبعدين بصلي. الراجل اللي كان داخل المندرة نافش ريشه عشان يربي مراته اللي عاندت أمه، لقى نفسه كان مغفل، بيضرب مراته الشريفة عشان يغطي على لعبة معمولة من ورا ضهره لصالح أخته وجوزها، وبمباركة أمه وأخوه!
يعني إيه؟.. يعني أنا كنت بتخان في بيتي؟ يعني إنتي كنتي عارفة يا محمود؟ وبتسيبني أضربها وأزعق فيها كل شهر؟! محمود وطى راسه في الأرض ومردش.
أبويا خبط بعكازه على الأرض خبطة رنت في أرجاء البيت، ووقف بطوله لحد هنا والكلام خلص. بص لأحمد بقرف وقال بنتي مكنتش بتخدم أهلك، بنتي كانت بتتسخر وبتتشتم وبيتداس على شرفها وأمانتها عشان حضراتكم تعملوا عليها سبوبة.. وإنت يا راجل جيت على لحمك وعرضك وكسرت عضم بنتي قدام عيالها عشان أمك تداري على بنتها. أحمد قرب مني ودموعه بدأت تنزل، وشه مكنش فيه ذرة من الجبروت اللي كان بيه الصبح نرمين.. أنا.. أنا والله ما كنت أعرف.. أنا كنت فاكر إنك بتعاندي أمي وخلاص.. حقك عليا، أنا جزمتك فوق راسي، قسماً بالله لأهد البيت ده فوق دماغهم كلهم.. تعالي نرجع دلوقتي وحقك هيجيلك لحد عندك!
مد إيده عشان يمسك إيدي، بس أنا رجعت خطوتين لورا. النظرة اللي في عيني كانت كفيلة تخليه ينزل إيده مكسور.
ترجع مين يا أحمد؟ إنت فاكر إن الحكاية حكاية تموين وزيت وسكر؟! أنا مشكلتي مكنتش في كيس مكرونة اتسرق، مشكلتي كانت في الكف اللي نزل على وشي وإنت مش شايفني بنادمة أصلاً.. مشكلتي إنك صدقت فيا إني حرامية، وسهلت إهاني قدام سلايفي وعيالي اللي اترعبوا منك. الجرح اللي في شفتي هيخف يا أحمد، بس الكسرة اللي جوة قلبي عمرها ما هتتصلح.
حمايا قرب من أبويا وهو بيترجاه يا حاج إسماعيل، عيال وغلطوا، وأنا اللي هربي الواد محمود، والست أم أحمد هتيجي بنفسها راس نرمين هنا في بيتكم قدامكم كلكم.. بس متخربوش البيت، دول بينهم عيال!
عمي إسماعيل رد بصرامة بنت الست أم أحمد تاكل من خير بنتنا، وبنتنا تاكل الضرب والإهانة؟! راس نرمين متنباسش، راس نرمين تتقدر.. القعدة دي مش هتخلص بكلمتين يا حاج إبراهيم.
أحمد كان هينهار، قعد على الكنبة وحط راسه بين إيديه، كان حاسس بحجم الكارثة اللي عملها. هو مكنش بس خسرني، ده خسر صورته قدام نفسه وقدام أهلي، وظهر قدام الكل إنه كان مجرد أداة أمه بتستغلها عشان تمشي اللي هي عايزاه.
رفعت راسي وبصيت للكل، صوتي كان ثابت وحاسم أنا مش هرجع البيت ده دلوقتي.. ولا حتى بعد ما أمك تيجي تعتذر. أحمد رفع راسه بلهفة أومال أنتي عايزة إيه يا نرمين؟ قولي وأنا أعمله، لو عايزاني أعزل بيكي في آخر الدنيا هعملها!
ابتسمت بمرارة تعزل؟ بالسهولة دي؟! سكت شوية، والكل كان مستني الكلمة اللي هتطلع مني.. أنا ليا شروط، والشروط دي مش بس عشان أرجع.. الشروط دي عشان لو فكرت في يوم تبصلي بنص عين، تفتكر الليلة دي كويس. أولاً شقتي تتقفل بالمفتاح، ومحدش من أهلك يعتب عتبتها إلا بإذني وبمعرفتي. ثانياً بطاقتي التموينية تتفصل بكره الصبح وتبقى في جيبي أنا، ومليش دعوة بتموين حد في البيت ده حتى لو هيموتوا من الجوع. ثالثاً، وده الأهم.. ورقة الشقة اللي إحنا قاعدين فيها، تتكتب نصها باسمي قصاد الإهانة والضرب والدم اللي سال في بيتك قدام عيالك، ضمان لكرامتي وكرامة ولادي..
أحمد اتصدم، ومحمود أخوه نط من مكانه إيه؟! تكتبي نص الشقة باسمك؟! دي شقة العيلة اللي أبويا بانيها لينا كلنا!
بصيت لمحمود باحتقار، وكنت لسه هرد عليه وأخرسه للأبد.. وفجأة، الباب الخارجي للمندرة اتفتح بعنف، وصوت صريخ هستيري هز البيت كله، كانت حماتي
داخلة زي القضاء المستعجل، وشها كان أصفر ومخطوف، ومش باصة لا لأحمد ولا لحمايا.. عنيها كانت عليا أنا، وفي إيديها ورقة بتترعش بيها، وصرخت بأعلى صوتها الحقي يا نرمين.. مصيبة حلت على البيت، المحضرين جم على الشقة فوق ومعاهم أمر طرد وحجز عشان كمبيالات متوقعة باسمك إنتي وأحمد!