حماتي طردت الشغاله يوم الصباحيه ج٢

منى السيد

نيرمين هانم وقفت مكانها كأن جردل ماية تلج اتدلق فوق دماغها، وشها اللي كان محقون فيلر ومفرود بغرور بدأ ينكمش وعينيها بتبرق برعب مش مفهوم، بصت للملف الأزرق اللي مرمي على الترابيزة قدامها كأنه قنبلة موقوتة، وبعدين بصتلي وحاولت تستجمع شوية من جبروتها المزيف وصوتها بيترعش حجز إيه وقضائي إيه يا مقصوفة الرقبة إنتِ؟ إنتِ فاكرة نفسك مين عشان تنطقي اسم العيلة دي على لسانك؟ القصر ده باسم عيلة الشناوي من قبل ما أهلك يفكروا يخلفوكي، وإنتِ حتة بت شحاتة لميناها من الشارع وجبناها هنا عشان ننضفك، تقومي تتبلي على ابني وسيدك؟!
في اللحظة دي، طارق نزل يجري على السلم، رجليه كانت بتخبط في بعضها من الخوف وعرقه نازل شلالات على وشه، قميصه مفتوح من فوق ورباط جزمته مفكوك، شكله كان متبهدل تماماً ومفيهوش ريحة الهيبة المصطنعة اللي كان لابسها من يومين بس، وقف على أول الصالون وهو بينهج وبيبص لأمه، وبعدين بصلي، لقى الملف الأزرق مفتوح قدامي وأنا ساندة ضهري وببصلهم بابتسامة هادية وباردة، أبرد من التلج.
نيرمين جريت عليه ومسكت دراعه بغل وهي بتصرخ طارق! انطق يا ابني وقول للبت دي مقامها، قولها إنها هبلة ومش فاهمة حاجة! البنك باعت رسالة بيقول الحساب مقفول، والهانم قاعدة تتبلى عليك وبتقول في حجز وقواضي وأعمامك جايين! فهمني فيه إيه بدل ما أطب ساكتة بأزمتي القلبية هنا؟!
طارق بلع ريقه بصعوبة لدرجة إن صوت ريقه اتسمع في الصالون الواسع، بص لأمه بنظرة عيل صغير اتقفش وهو بيسرق من حصالة أبوه، وقال بصوت واطي ومبحوح ماما.. اهدي بس.. الموضوع مش كده.. دي سوء تفاهم بسيط في الإجراءات المالية وهحله الصبح مع المستشار القانوني بتاعنا.
ضحكت بصوت عالي، ضحكة رنت في سقف الصالون المدهب وخليتهم هما الاتنين يبصولي كأني اتجننت، رفعت إيدي وشاورت على الملف سوء تفاهم بسيط برضه يا باشمهندس طارق؟ سوء تفاهم بقيمة اتنين وسبعين مليون جنيه؟ تحب أقرأ لطنط البنود ولا أسيبها تتفاجئ بالليل لما عمها الحاج فريد يدخل ومعاه قوة من مباحث الأموال العامة ومأمور الضرائب العقارية؟
نيرمين رجعت خطوة لورا وسابت دراع طارق، وشها اتقلب لونه أصفر زي الليمونة الميتة، وبصت لابنها بعينين مبرقة اتنين وسبعين مليون إيه يا طارق؟! انطق يا ولد! الفلوس دي راحت فين والوقف اللي جدك سايبه راح فين؟! مش ده الوقف اللي كنا عايشين من ريعه وبنصرف منه على العربيات والنوادي والسفر لباريس كل صيف؟! انطق بدل ما أقتلك بإيديا دول!
طارق حط إيديه الاتنين على راسه، وقعد القرفصاء على السجادة العجمي اللي كانت أمه بتتباهى إنها جايباها بمية ألف من مزاد في سويسرا، وطى راسه في الأرض وهو مش قادر يحط عينه في عينها وقال بانهيار تام البورصة يا أمي.. والرهانات.. والشركات اللي عملتها في دبي عشان أكبر اسمي وأثبت لعمي فريد إني مش عيل خايب، كل الصفقات خسرت، والناس اللي كنت شغال معاهم طلعوا نصابين، وكان لازم أسدد الديون دي وإلا كنت هتحبس بشيكات من غير رصيد، ف.. فاضطريت أرهن أصول شركة الشحن وأخدت قروض بضمان القصر ده وتوكيل جدي اللي كان معايا قبل ما يموت بأسبوع.. افتكرت إني هلحق أرجع الفلوس قبل ما حد يحس، بس الفوايد ركبت فوق بعضها والمزاد اتحدد خلاص!
نيرمين ضربت على صدرها ولطمت على وشها بصوت عالي يا فضيحتك يا نيرمين! يا خراب بيتك يا نيرمين! القصر يضيع مني؟! العربيات تتاخد مني وأرجع أقعد في شقة إيجار في شبرا زي زمان قبل ما اتجوز أبوك؟! يا لهوي يا ناس! يا لهوي على خيبتي وسواد أيامي!
فضلت تلطم وتصوت، وطارق قاعد تحت رجليها يعيط، وأنا قاعدة بتفرج على المشهد ده بنظرة خالية من أي شفقة، افتكرت أم سعد الصبح وهي مكسورة وبتترجى نيرمين هانم عشان تاخد باقي حسابها المتأخر من شهرين، افتكرت كلام طارق وهو بيضحك ويقولي البسي المريلة ونضفي الحمامات عشان تثبتي إنك تستاهلي تدخلي العيلة، المشهد كان عدالة سماوية سريعة جداً، أسرع مما كنت أنا نفسي أتخيل.
نيرمين فجأة سكتت، وبصتلي بعينين مليانة غل واستعطاف في نفس الوقت، نزلت على ركبتها قدامي على الأرض، الست اللي من ساعتين كانت بترمي عليا المريلة وتقولي إنتِ خدامة هنا، مسكت طرف عبايتي وقالت بصوت مكسور إنتِ.. إنتِ بتقولي إنك مراجعة حسابات شاطرة.. المحامي بتاعك جاب الورق ده إزاي؟ إنتِ أصلك مين يا بت إنتِ؟ أنقذينا.. انقذي جوزك وبيتك، مش إنتِ مراته وبتحبيه؟ تصرفي! كلمي حد من معارفك، دوري على ثغرة قانونية في التوكيل ولا في الرهن، أرجوكي يا بنتي، دي شرف العيلة واسمها هيتمرمغ في الأرض!
بصيت لإيديها اللي ماسكة هدومي، وبعدت طرف العباية بهدوء وقرف، وقولتلها أولاً، اسمي مدام إيلين، مش بت.. وثانياً، المحامي بتاعي ما جابش حاجة من ورا ضهر القانون، الورق ده كله رسمي ومتوثق، وأنا أصلاً كنت ماسكة ملف المراجعة الضريبية لشركات جدك الله يرحمه من تلات سنين في المكتب بتاعي، يعني حافظة كل مليم دخل وخرج من العيلة دي راح فين، وعارفة بالظبط إنه كتب نصيبه في القصر ده لأعمام طارق عشان كان عارف إن طارق طايش وهيضيعه، والتوكيل اللي طارق استخدمه كان توكيل ملغي بحكم محكمة صدر قبل وفاة جدك بيومين اتنين بس، وطارق خفاه وزوّر تاريخه.
طارق رفع راسه فجأة وبصلي بصدمة ورعب إنتِ.. إنتِ كنتِ عارفة كل ده من الأول؟! كنتِ عارفة ودخلتي البيت ده ليه؟ اتجوزتيني ليه طالما عارفة إني مزور ومفلس ومديون؟!
وقفت على حيلي، وطولي كان فارض نفسه

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *