لو هتسمحلي اقعد انا واولادي ج٣
تنهد عمر تنهيدة ارتياح بددت كل سنوات الشك القديمة، ونظر إلى منى بابتسامة فخر:
— حسام بنى برجه كله على أرضك يا منى.. وافتكر إنه يقدر يطرد صاحبة الأرض برة من غير ما السقف يقع على دماغه.
في تلك اللحظة، طُرق باب المكتب بعنف، ودخل أحد أمناء الشرطة وهو يقول بصوت لاهث:
— يا فندم.. المتهم حسام الشناوي انهار في الحجز، وبيصرخ وعايز يقابل المدام قبل ما يبدأ استجواب النيابة رسميًا.. بيقول لو ما شافتهاش دلوقتي هيعترف على كل الشركاء وهيحرق كل الصفقات المقفولة!
نظر رئيس النيابة إلى منى بنظرة ذات مغزى، وسألها بهدوء:
— ده حقك القانوني، تقدري ترفضي تمامًا ومحدش يقدر يجبرك تشوفيه، والتحقيق هياخد مجراه وهيتحال للجنايات الليلة.. وتقدري تسمعيه لو حابة تشوفي نهايته بنفسك. القرار ليكي إنتِ يا منى.
التفتت منى نحو عمر، الذي أومأ لها برأسه دون أن ينطق، تاركًا لها كامل الحرية لتختار كبرياءها كيفما تشاء.
أخذت منى نفسًا عميقًا ملأ صدرها بهواء طاهر لم تشعر به منذ سنوات، ثم وقفت بكل ثبات، وعدلت قامتها، ونظرت إلى رئيس النيابة بعينين لا تحملان أي خوف، وقالت بصوت صلب وواضح:
— أنا عايزة أشوفه يا فندم.. بس مش عشان أسمعه، أنا عايزة حسام يبص في عيني ويعرف مين اللي هيدفنه تحت الورق اللي زوره.
نزلت منى الدرج الحجري المؤدي إلى غرفة الحجز برفقة ضابط الحراسة وعمر وطارق. كانت رائحة الرطوبة وأصوات الأغلال المعدنية تملأ الممر، لكن خطواتها كانت أثقل وأكثر ثباتاً من أي وقت مضى. لم تعد تلك المرأة المكسورة التي كانت تتسول مأوى لأطفالها قبل أيام قلائل، بل وقفت تسترد ما سُلب منها طوال ثمانية عشر عاماً.
فُتح باب غرفة الاستجواب الحديدي بصرير حاد.
في الداخل، كان حسام يجلس على مقعد خشبي متهالك، مقيد اليدين إلى الأمام بالكلبشات الحديدية. كانت سترته الفاخرة ممزقة الأزرار، وشعره مشعثاً، ووجهه الذي طالما تفاخر به شاحباً يعلوه العرق والذعر. بمجرد أن رآها تدخل، انتفض محاولاً الوقوف، لكن الحارس خلفه وضع يده على كتفه وأجبره على الجلوس.
صرخ حسام بصوت أجوف ومبحوح:
— منى! بالله عليكي يا منى.. قولي لهم إنك عارفة كل حاجة! قولي لهم إنك كنتِ مفوضاني، الحسابات دي هتتدمر.. أنا محبوس هنا والنيابة موجهة لي جنايات تزوير وغسيل أموال وتهريب نقد! دي فيها مؤبد.. مؤبد يا منى!