سر الغياب وسنين الحيره
طارق كان بيبكي قدامها:
— “عشان كده أنا جيت.. هو إداني السنين اللي أنا بعيشها دلوقتي. أنا ما أقدرش أرجعله حياته.. بس كان لازم ألاقي بيته.”
ندى رفعت رأسها:
— “وعشان كده عايز تقعد؟”
— “في الأول.. اه.” طارق سكت لحظة، وبعدها قال: “بس دلوقتي مش متأكد إن أحمد هو السبب الوحيد.”
قبل ما ندى تقدر تسأله يقصد إيه بكلامه، وجع رهيب ومفاجئ ضرب بطنها وخلاها تصرخ. قامت مفزوعة. وجع تاني جه بعده بثواني.. وبعدها حسيت بمية الولادة بتنزل على رجليها.
كانت لسه في الأسبوع التلاتين بس من الحمل!
وبرة.. كانت المظلة والسيول بدأت تضرب المكان، والطريق الوحيد اللي بيودي للمستشفى في البندر بدأ يتحول لطين ومغرزة مقفولة!
الجزء الثالث والأخير
صرخت ندى وهي ماسكة في حرف الترابيزة من كتر الوجع:
— “البيبي ينزل دلوقتي لا! أنا لسه في السابع!”
طارق اتنفض من مكانه، الجرأة والهدوء اللي كان فيهم اختفوا ونزل مسكها من إيدها بلهفة:
— “اسندي عليا! لازم نوصل المستشفى فوراً!”
شالها بين إيديه وطلع بيها وسط المطر والغرق، حطها في الكنبة الوراانية بتاعة عربيته الـ4×4. الشارع كان عبارة عن برك مية ومغرزة طين، والمطر نازل زي السيل يغطي أزاز العربية.
طارق شغل العربية وداس بنزين بكل قوته. العربية كانت بتلف وتتزحلق في الطين، والموتور بيصرخ، وندى ورا بتصرخ من وجع الطلق اللي بقى يجي كل دقيقة.
— “استحملي يا ندى! أرجوكِ قاومي، مش هسمح للي حصل زمان يتكرر تاني!”
بعد نص ساعة من الصراع مع الطريق والطين، قدر يوصل لمدخل مستشفى الفيوم العام. نزل يجري وزق الباب وصرخ في الممرضين:
— “حالة ولادة مبكرة ونزيف! بسرعة تروللي!”
دكاترة الطوارئ جم يجرو وأخدوا ندى على غرفة العمليات فوراً. طارق فضل واقف في الممر، هدومه مبلولة ومتحنية بالطين، وعينيه مش مفارقة باب العمليات. كان بيدعي ربنا بدموع مش بتوقف إن الطفلة والأم يطلعوا بالسلامة.
بعد ساعتين طوال أوي، خرج الدكتور وهو بيمسح عرقه:
— “الحمد لله، اللحققتوها في آخر لحظة. البنت اتولدت بس حجمها صغير وهتقعد في الحضانة كام يوم، والأم كويسة وزي الفل.”
طارق وقع على الكرسي وبكى من قلبه، حس إن في جبل انشال من على صدره.
بعد يومين..
ندى كانت قاعدة على السرير في الأوضة، وشها شاحب بس عينها فيها حياة لأول مرة من سنين. طارق كان واقف جنب شباك الأوضة، شايل بين إيديه لفة صغيرة فيها بنتها.
قرب منها وحط البنت في حضن ندى بالراحة:
— “شبهك أوي يا ندى.”
ندى بصت للبنت والدموع في عينها، وبعدها بصت لطارق وقالت بصوت هادي:
— “أنت أنقذت حياتي وحياة بنتي النهاردة يا طارق.. زي ما أخويا أنقذ حياتك زمان.”
طارق ابتسم بدموع:
— “أنا ما عملتش غير اللي كان المفروض يتعمل.”
سكتت ندى شوية، وبعدها سألته السؤال اللي كان شاغل بالها من يوم حادثة البيت:
— “لما قلتلي إن أحمد مش هو السبب الوحيد اللي مخليك عايز تقعد.. كنت تقصد إيه؟”
طارق بص في عينها بصدق ووضوح:
— “أنا لما جيت هنا، كنت فاكر إني جاي أسدد دين وأريح ضميري وأمشي. بس لما شفت قوتك، وصبرك، وطيبة قلبك رغم كل الظلم اللي شفتيه.. حسيت إن قلبي بيصحى تاني بعد سنين من الموت. أنا مش جاي أحل محل حد، ولا جاي أفرض نفسي عليكِ.. أنا بس عايز أكون السند اللي تستحقيه، وأحميكي أنتِ والبنت دي.”
ندى بصت للميدالية بتاعة أخوها أحمد اللي كانت محطوطة على الترابيزة جنب السرير، افتكرت كلماته في الجواب: “الجنينة دي هي اللي هتنقذنا.”
فهمت ساعتها إن الورد مش مجرد زرع، الورد كان رمز الأمل اللي أحمد سابهولها عشان يجمعها بالشخص اللي هيصونها.
ابتسمت ندى لطارق وسط دموعها وقالت له:
— “الجنينة محتاجة شغل كتير يا طارق.. والبوابة لسه عايزة تتظبط صح.”
طارق ابتسم ضحكة صافية وطالعة من القلب لأول مرة من سبع سنين وقال:
— “أنا موجود.. ومش هسيبك تاني أبداً.”
النهاية