ختان في ليله الدخله ج٢ انجي الخطيب
ساعات قليلة وعدت وكأنها سنين، خطيبي جه القسم وهو حاطط في دماغه إنه جاي يحل الموضوع بكلمتين زي متعود، وأول ما دخل ولقى أمه وأخواته محبوسين في مكتب التحقيقات والبوليس محوطهم، وشه اصفر وعينيه نطت من مكانها. شافني قاعدة وسط إخواتي وراسي مرفوعة، حاول يقرب مني ويقول بصوت مهزوز وواطي:
* “إيه الهبل اللي عملتيه ده يا انجي؟! وصلتي الموضوع للبوليس عشان حاجة تافهة زي دي؟ هتبوظي بيتنا وفرحنا بإيدك؟!”
محمود قام من جنبيه زي القطر، ونزل فيه ضرب وبصوت جاب آخر القسم:
* “بيتنا وفرحنا يا ابن الكلب؟! دي أختي كانت هتموت جوه بيتها على إيد أهلك! وحياة أمي ما هسيبك، ولا هسيب ق/ضية الشروع في القัดة والإيذاء دي تطلع منها ببلاش!”
الظابط وعساكر القسم اتدخلوا وبُعدوا محمود عنه بالعافية، وخطيب سابق بقى واقف بيترعش، بيبصلي بنظرة كلها رجاء وتوسل عشان أتنازل، بس عيني كانت ناشفة ومفيهاش دمعة واحدة. قمت وقفت قدامه وبصيت في عينه بكل قوة:
* “بيتنا وفرحنا انتهوا من اللحظة اللي فكرت فيها تعاملني كإني دبيحة مش إنسانة. اخرج من حياتي للأبد، وميعادنا قدام القاضي.”
وكيل النيابة أمر بحبس أم خطيبي وأخواته والست اللي كانت معاهم على ذمة التحقيق في بتهمة الشروع في إيذاء جسدي جسيم واقتحام مسكن، وأصدر أمر ضبط وإحضار للمحروس خطيبي عشان مشاركته في الج*ريمة.
خرجت من القسم مع إخواتي، الهوا الخفيف ضرب في وشي وحسيت لأول مرة إني تنفست بجد. صحيح خسرت إنسان كنت فكرته سند وأمان، وصحيح الجرح صعب والوجع كبير، بس الأهم إني كسبت نفسي، وكسبت إخواتي اللي طلعوا بجد سند وضهر مايلتوش أبدا، ورفضت أبيع روحي وكرامتي عشان “كلمة الناس” أو خوف من العانسة. أنا بقيت حرة، ومين عارف، يمكن ربنا كان بيبعد عني كابوس عشان يعوضني باللي يقدرني بجد.
……
الأيام اللي بعد الواقعة دي كانت صعبة وثقيلة، بس إحساس الأمان اللي رجعلي مع إخواتي كان بيطبطب على قلبي المكسور. النيابة جددت حبس أمه وأخواته والست اللي كانت بتشتغل “داية” في السر، وخطيبى السابق اتقبض عليه واتوجهت له تهم التحريض والشروع في إيذاء عمد وانتهاك حرمة مسكن.
الناس في المنطقة اتكلمت كتير في الأول، وكل واحد كان بيفبرك قصة على مزاجهم، بس طز في الناس وكلامهم! إخواتي مقعدوش في بيتهم وسابوني؛ محمود الكبير أصر إني أقعد مع مراته وأولاده كم يوم لحد ما أعصابى تهدى، وكل شوية يطمنوا عليّ كأني طفلة صغيرة رجعت لحضنهم.
بعد شهر تقريباً، بدأت أروح شغلى تاني، ولقيت مديري في الشغل وبعض زمايلي اللي يعرفوا جزء من الحكاية بيعاملوني باحترام أكبر بكتير، وبيقدروا الشجاعة اللي وقفت بيها قدام كابوس كان ممكن يدمر حياتي للأبد.
في يوم، وأنا قاعدة في البلكونة بشرب كوباية شاي وبهدّي روحي، لقيت رنين الموبايل بيعلن عن رسالة من رقم غريب. فتحتها ولقيت فيها اعتذار طويل ودموع كدابة من خطيبي القديم، بيقول فيها إنه ندم وإنه كان بيضغط عليه أهله وإنه مستعد يعمل أي حاجة عشان أتنازل عن الق/ضية ونرجع لبعض.
ضحكت بصوت عالي لأول مرة من شهور، وبعتله كلمة واحدة من غير أي تردد:
* “انساني، المحكمة هي اللي هتجبلي حقي.”
عملت بلوك للرقم، وقفلت الشات للأبد، ودخلت أودّي عيني في المراية، بصيت لنفسي وابتسمت بحب وفخر. حسيت إن تلاتين سنة من عمري اللي كنت خايفة أعديهم من غير جواز، ربنا كان بيحفظني بيهم عشان أكون قوية كفاية وأنقذ نفسي من راجل مكنش يعرف يعني إ ايه صون كرامة ولا إنسانية.
أنا انجي، صحيح جرحي خد وقته، بس كرامتي وروحي ونفسي رجعولي كاملين، وبقيت عارفة كويس إن أي خطوة جاية في حياتي هتكون على أساس الاحترام والاختيار الصحيح، مش الخوف من بكرة.
……
ومر الوقت، وكأن ربنا كان بيمسح بإيده على قلبي عشان يعوضني عن كل ليلة خوف عشتها. القضايا خلصت، والأحكام صدرت بالحبس لكل واحد فيهم، وعبرة لكل واحد يفكر يقلل من إنسانة أو يتعامل معاها على إنها ملكية خاصة.
بس الأحلى من ده كله، إن الحياة دايماً بتفتح بيبان جديدة للي بيختار نفسه بصدق. في الشغل، اتعرفت على زميل محترم وهادئ، كان دايماً بيلاحظ مدى التزامي وهدوئي، ومع الوقت بدأنا نتكلم في حدود الشغل. لحد ما في يوم، جالي بكل احترام وصراحة، وقالي إنه معجب بشخصيتي وبقوتي وبإصراري، وإنه حابب يدخل البيت من أبوابه.
لما جه وطلبني من محمود أخويا، حسيت إيه الفرق الحقيقي بين الراجل اللي بيقدر كرامتك، والراجل اللي كان عايز يهدك. محمود قعد معاه، وسأله، ولقى فيه السند والضهر اللي بجد.
يوم كتب كتابنا، كنت واقفة قدام المراية بفستان أبيض بسيط، حاسة بنور جوايا بيملاني. بصيت لنفسي وابتسمت، وكلمت نفسي بصوت هادي: “الحمد لله إني ما ضعفتش.. الحمد لله إني اخترت نفسي.”
جوزي دخل عليا الأوضة، شافني واقفة مابتسمة، قرب مني بحب، مسك إيدي وباسها وقال بصوت دافئ:
* “مبروك يا انجي.. جاهزة لبداية حياتنا الجديدة؟”
بصيت في عينه، ولقيت الأمان اللي كنت بتمناه طول عمري، ورسيت على بر الصفا والأمان، وعرفت وقتها إن اللي يسيب حاجة لله ولنفسه، ربنا بيعوضه بأحسن منها بكتير.
……..
محمود جه خبط على الباب بهدوء ودخل، وكان ماسك في إيده بوكيه ورد أبيض هادي، بصلي ودمعت في عينه نظرة فخر حسستني إني ملكة مش عروسة، وقرب باس راسي وقال بصوت مليان حنية:
* “مبروك يا حبيبة أخوكي، ربنا يجعله سندك الحقيقي ويعوض صبرك خير.”
حضنته بكل قوتي، وحسيت إن كل وجع السنين اللي فاتت اتمسح بكلمة واحدة طيبة، وخرجنا مع بعض للصالون حيث كان جوزي مستني، ويد في يد بدأنا صفحة جديدة أساسها الاحترام، المودة، وحب النفس اللي ميتعوضش بكلمات عابرة.
تمت
حكايات انجى الخطيب