بنتي كانت مرميه في ارضيه الحمام فاقده الوعي ج2 منى السيد
الجزء الرابع
موكب العربيات السودا الفخمة اتحرك من قدام المستشفى الجوي، في حراسة أمنية منظمة تقطع أي شك إن اللي راكب جواها مش مجرد راجل أعمال عادي، ده حوت من حيتان السوق اللي بيحركوا الملايين بإشارة صباع. الطريق للمنصورية كان هادي، ومريم قاعدة جنب أبوها في الكنبة الجلد المريحة، حاضنة ياسين ابنها اللي كان ساند راسه على رجلها ونايم في أمان حقيقي لأول مرة من سنين.
مريم كانت بتبص على كفوف أبوها الخشنة، نفس الكفوف اللي كانت بتسقي شجر الليمون في شبرا، ونفس الراجل اللي كان بيلبس سديري صوف متواضع ويقعد على قهوة المعاشات. مكنتش قادرة تستوعب حجم الټضحية والصبر اللي كان عند فتحي الصاوي؛ إزاي يقدر بني آدم يملك الجبروت المالي ده كله ويفضل عايش في صمت وتواضع، بس عشان يختبر الناس ويشوف معادنها الحقيقية؟
أول ما الموكب وصل بوابات قصر الصاوي في المنصورية، البوابات الحديدية الضخمة المتزخرفة اتفتحت على مصراعيها. القصر كان تحفة معمارية محاطة بمساحات خضرا شاسعة، إسطبلات خيل عربي أصيل، وأشجار نخل وموالح متنسقة بأعلى درجات الفخامة. الحرس والخدم كانوا واقفين في صفين منتظمين، وطوا رؤوسهم باحترام وتقدير
حمد الله على سلامتك يا فتحي بيه.. نورتي بيتك يا مدام مريم.
مريم نزلت من العربية ورجليها بتغرز في النجيل الأخضر النضيف، دموعها لمعت في عينيها وهي شامة ريحة الورد والياسمين، ريحة حرية حقيقية افتقدتها في زنزانة التجمع الخامس.
فتحي نزل وراها، شال ياسين على كتفه بحنان، وبص لمريم بصوت دافي مليان فخر
ده بيتك يا بنتي.. وده المكان اللي كان المفروض تدخلي فيه من أول يوم معززة مكرمة، بس قدر الله وما شاء فعل. كل حاجة هنا متسجلة باسمك، ومفيش بني آدم يقدر يكسر ليكي عين أو يرفع صوته عليكي بعد النهاردة.
مريم مسكت دراع أبوها وباسته
ربنا يخليك ليا يا بابا.. أنت رديتلي روحي وكرامتي اللي كانت بتتداس كل يوم بالرخيص.
فتحي طبطب عليها ودخلوا القصر، بس ورا الهدوء ده كله، كانت طبول الحړب الحقيقية لسه بتدق في كواليس المحاكم والشركات.
في نفس الليلة، في بدروم قديم وضيق في منطقة شعبية في بولاق الدكرور، كانت سميحة هانم قاعدة على كنبة متهالكة ريحتها رطوبة وعفن. الروب الستان والبرفانات الباريسية اتبخروا، وحل محلهم عباية سودة قطيفة قديمة استلفتها من جارتها بعد ما طردتها أختها من المعادي خوفاً من الفضايح وقضايا الشيكات.
سميحة كانت ماسكة تليفون قديم شاشته مکسورة، بتترجى كل نمرة كانت متسجلة عندها في دفتر معارف التجمع والنادي
ألو.. مدام شهيرة؟ أنا سميحة الديب.. أرجوكي يا شهيرة، كلمي جوزك المستشار.. طارق ابني محپوس في سجن طرة ومتبهدل، مش لاقيين محامي يقبل يمسك قضيته بعد ما فتحي الصاوي نزل بثقله.. الو؟ الو؟
الخط قطع في وشها كالعادة، زي ما قطع مع عشرات غيرها. أصحاب الأمس، اللي كانوا بيتنافسوا على حضور حفلاتها وسهرات الفيلا، اتقلبوا فجأة لشياطين بينكروها وبيشمتوا في سقوط عيلة الديب المريع.
سميحة رمت التليفون على الأرض وصړخت پهستيريا وهي بتشد في شعرها
كلهم خونة! كلهم واطيين! بقى أنا سميحة هانم اللي كان بيتعملي ألف حساب أقعد في جحر زي ده عشان خاطر سواق شبرا؟! وحياة أمي ما هسيبك يا مريم.. لو كان طارق هيضيع، مش هسيبك تتهني بفلوس أبوكي!
فتحت شنطتها الصغيرة وطلعت كارت قديم لواحد من المحامين المشبوهين اللي شغالين في قضايا الابتزاز وتلفيق المستندات، اسمه عصام الحناوي، وقررت تلعب آخر كارت متبقي في جيبها القذر ملف