امي اتصلت بيا
كان الليل يسير بسكونه المعتاد في شوارع الإسكندرية، حتى اخترق صوت رنين هاتفي تلك الهيبة في تمام الحادية عشرة والنصف. ركضت نحو الهاتف بأصابع مرتجفة حين رأيت اسم “أمي” يلمع على الشاشة. لم تستمهلني حتى لأقول “ألو”، بل جاء صوتها مبتورًا، حادًا، ومغلفًا بنبرة آمرة حذرة جعلت أنفاسي تتطلبس:
“أختك في المستشفى.. متسأليش عن أي حاجة دلوقتي، تعالي فوراً.”
أغلقت الخط قبل أن أنطق بحرف. لم يتجاوز الطريق إلى مستشفى منطقة كفر عبده الخمس عشرة دقيقة، لكنها مرت عليّ كأنها قرون. كنت ألتهم الرصيف بسيارتي وأفكاري تتصارع؛ ماذا حدث لمي؟ أختي الصغيرة التي لم تتجاوز الثامنة عشرة، الرقيقة التي لا تؤذي نملة.
عندما وطأت قدمي قسم الطوارئ، كانت رائحة المطهرات والستائر البيضاء تزيد من انقباض صدري. هناك، في نهاية الممر المزدحم، كانت مي تجلس على طرف السرير النقال. كانت يدها الشمال ملفوفة بدعامة مؤقتة وشاش سفلي، وشها أصفر كأنما أُفرغ منه الدم تمامًا، وعيناها متورمتان من كثرة البكاء المكتوم.
على بعد خطوات قليلة، كان يقف “طارق”، زوج أمي. رجل خمسيني عريض المنكبين، نرجسي الطباع، لطالما فرض سلطته على البيت منذ أن تزوجته أمي قبل ثلاث سنوات. كان واقفًا بجمود، يداه في جيبيه، لكن ما لفت انتباهي فورًا هما خربوشان جادان وواضحان يسيران بشكل رأسي على جانب وجهه الأيمن، يسيل منهما خيط رفيع من الدم الجاف.
أما أمي، فكانت تتنقل بقلة حيل في المساحة الضيقة حول السرير، تردد بآلية غريبة ونبرة مشروخة كأنها شريط تسجيل مكرر:
“كانت حادثة.. اتزحلقت بالخطأ.. قدر ولطف.”
تقدمت خطوتين وحاولت أن أنظر في عيني أي منهم، لكن الجميع كان يتفادى نظراتي بشكل مريب. أمي تحدق في الأرض، طارق ينظر لسقف القاعة، ومي تطأطئ رأسها بشدة.
جثوت على ركبتي أمام مي، وأمسكت بيدها السليمة وسألتها بصوت يرتجف:
“إيه اللي حصل يا مي؟ مين عمل فيكِ كده؟”
قبل أن ترفع مي رأسها، وقبل أن تفتح شفتيها بكلمة، قاطعنا صوت طارق الجاف القادم من الخلف، متقدمًا خطوة لنحونا:
“اتزحلقت في المطبخ وهي نازلة تجيب مية، ولما جيت ألحقها وأسندها، مسكت فيا بالخطأ ووقعنا سوا.”
هزت أمي رأسها بسرعة مبالغ فيها، وأكدت على كلامه بنبرة متوسلة:
“أيوه يا شيرين.. ده اللي حصل بالظبط، أرضية المطبخ كانت مبلولة وهي حادثة بتحصل في أي بيت عادي.”
كانت المشاعر في الغرفة أثقل من أن تُحمل. التوتر كان يقطع بمشرط. اللهفة الغريبة في صوت أمي لتأكيد الرواية، النظرات المهربة، والرفض التام من مي للتجاوب معي.. كل شيء كان يصرخ بأن هناك ج/ريمة تتم تغطيتها هنا.
وفجأة، شعرت بشدات خفيفة متتالية على طرف كم جاكيت المطر الذي أرتديه. التفتُّ لأجد “هنا”، ابنة أختي الكبرى البالغة من العمر اثني عشر عامًا. كانت تقف خلفي، وجهها شاحب كالموتى، وعيناها محتقنتان بالخوف.