في عيد الاب

في عيد الأب، ابني المليونير دخل شقتي المتلجة في إسكندرية، شاف علبة شوربة على ترابيزة المطبخ، وسألني سؤال خلّى الدنيا كلها تسكت.
بابا إنت راضي عن ال٨ آلاف جنيه اللي نادين بتحوّلهملك كل شهر؟
بصيت له مش فاهم.
يا ابني نادين مش بتحوّل لي جنيه. أنا عايش على كراتين الأكل اللي باخدها من الجمعية عشان أعرف أعدّي الأسبوع.
مازن اتجمد مكانه.
وفي اللحظة دي بالظبط باب الشقة اتفتح.
نادين دخلت.
اسمي حسن عبدالسلام. عندي ٧٢ سنة، وقبل ما أطلع معاش، قضيت أكتر من أربعين سنة شغال مراجع حسابات في شركات كبيرة.
الأرقام كانت حياتي.
فلوس ناقصة.
تحويلات غريبة.
حسابات مش راضية تتظبط.
على مدار السنين، اتعلمت إن الحسابات ساعات بتقول الحقيقة قبل ما أصحابها يعترفوا بيها بوقت طويل.
بس عمري ما تخيلت إن أخطر لغز مالي في حياتي هيكون متعلق بأهل بيتي.
من عشر سنين، مراتي نجلاء ماتت بعد رحلة طويلة مع المرض.
علاجها أكل تقريبًا كل اللي كان معانا.
بعد وفاتها، بعت البيت اللي ربينا فيه ابننا مازن، وسددت الديون والمصاريف اللي كانت علينا، والفلوس اللي فضلت حطيتها كلها تقريبًا في ابني.
كان لسه بيبدأ مشروع صغير في مجال البرمجيات، ومشروعه كان على وشك يقفل.
ساعدته يكمّل.
وأنا ماكنتش متخيل إن الفرصة دي هتغيّر حياته بالشكل ده.
مشروع مازن نجح.
وبعدين كبر.
وبعدين كبر أكتر.
لحد ما ابني بقى مليونير.
كنت فخور بيه بشكل ما يتوصفش.
وعشان كنت فخور بيه، عمري ما حبيت أحسسه إنه شايل همّي أو مسؤول عني.
وده كان السبب إني قضيت تلات سنين في شقة قديمة في إسكندرية، الحيطان فيها مقشرة، والتدفئة فيها بالعافية، وجنبي دفاية كهربا صغيرة بحطها جنب ترابيزة المطبخ.
مرتين في الأسبوع، كنت بمشي حوالي ست شوارع لحد جمعية قريبة.
كرتونة شوربة.
عيش.
لبن بودرة.
مفيش

حاجة زيادة.
بس على قد ما تعيشني.
كل ما مازن يكلمني، كان يطمنّي
أنا عامل لك صندوق عيلة مخصوص يا بابا، عشان تضمن إنك تعيش مرتاح. نادين هي اللي ماسكة كل حاجة. إنت بس ما تشيلش هم الفلوس.
كنت فاكر إن الفلوس متحوشة في حساب، أو متحطوطة في صندوق للمستقبل.
ما سألتش.
ولا مرة.
لحد ما جه عيد الأب.
مازن ظهر فجأة قدام باب شقتي، لابس بدلة ومعطف غالي جدًا، شكلهم ماكانش راكب خالص على المكان اللي أنا عايش فيه.
أول ما دخل، وشه اتغير.
بص على الحيطان المقشرة.
وبعدين على الدفاية الصغيرة.
وبعدين على علبة الشوربة اللي فوق الترابيزة.
بابا هو فين المكان اللي عايش فيه؟
بصيت له باستغراب.
مكان إيه؟
وشه اتشد.
نادين قالتلي إنها نقلتك لدار محترمة لكبار السن في وسط البلد من كام شهر.
ضحكت من الصدمة.
يا ابني أنا عايش هنا بقالي تلات سنين!
فضل باصص لي كأنه مش قادر يستوعب.
وبعدين سألني السؤال اللي قلب كل حاجة
بابا إنت راضي عن ال٨ آلاف جنيه اللي نادين بتحوّلهملك كل شهر؟
الصمت نزل على الشقة.
حتى صوت الدفاية بقى واضح.
قلت له بهدوء
يا مازن أنا ما استلمتش ال٨ آلاف دول من أي حد في حياتي.
وشه اصفر.
إيه؟
الجمعية هي اللي بتساعدني. أنا لوحدي مش قادر أوفر أكلي طول الشهر.
مازن مسك موبايله فورًا.
لكن قبل ما يعمل أي مكالمة
باب الشقة اتفتح.
نادين دخلت.
كانت لابسة معطف أبيض شيك، وشايلة شنطة غالية جدًا.
أول ما شافت مازن، اتفاجئت.
وبعدين بصت لي.
ولثانية واحدة بس ملامحها اتغيرت.
خوف.
أو مفاجأة.
لكنها رجعت بسرعة لابتسامتها العادية.
يا مازن أنا ماكنتش عايزة تعرف بالطريقة دي.
لف لها.
أعرف إيه؟
بدأت تتكلم بمنتهى الهدوء.
قالت إنها كانت بتحوّل لي الفلوس كل شهر.
وقالت إن حالتي النفسية والعقلية بقت مش مستقرة شوية.
وإنها كانت نقلتني فعلًا لدار محترمة، لكن أنا، حسب كلامها، خرجت منها ورجعت للشقة القديمة من غير ما أقول لحد.
كنت واقف قدامها وهي بتحكي لابني قصة عن حياتي أنا نفسي أول مرة أسمعها.
مازن بص لي.
بابا الكلام ده حصل؟
قبل ما أرد، موبايله رن.
بص للشاشة.
عندي مشكلة في الشغل لازم أخلصها. خمس دقايق بس.
خرج للطرقة وقفل الباب وراه.
أول ما اختفى من قدامها، وش نادين اتغير تمامًا.
قربت مني.
وهمست
لما مازن يرجع ماتصعّبهاش على نفسك.
ما رديتش.
فكملت وهي بتبص في عيني
الورق كله جاهز. لو ظهر إنك مش قادر تدير نفسك أو فلوسك ساعتها حد تاني هيبقى له حق يقرر مكان إقامتك، وعلاجك، وحساباتك.
وسكتت لحظة.
وأنا طبعًا هكون الشخص ده.
في اللحظة دي، كل حاجة اشتغلت جوا دماغي.
أربعين سنة شغل في الحسابات خلوني أعرف حاجة مهمة جدًا
لما حد بيحاول يسرقك، أخطر غلطة إنك تخليه يعرف إنك اكتشفته.
ما واجهتهاش.
ما اتخانقتش معاها.
بالعكس.
لما مازن رجع، خليت كتافي تقع كأني تعبت فجأة، وبصيت له بنظرة تايهة.
وبعدين قلت
هو نجلاء هتتأخر النهارده على الغدا؟
مازن اتجمد.
مراته نجلاء كانت ماتت من عشر سنين.
بص لنادين.
نادين قربت منه وحطت إيدها على كتفه كأنها بتطمنه.
لكن وهي بتبص من وراه ناحيتي
ابتسمت.
ابتسامة صغيرة جدًا.
ابتسامة واحدة كانت كفاية تقول لي إنها صدقت إني فقدت عقلي.
كانت فاكرة إنها كسبت.
بعد حوالي عشرين دقيقة، خرجوا.
استنيت لحد ما سمعت خطواتهم وهي بتبعد في السلم.
وبعدين عدّلت قعدتي.
شلت علبة الشوربة من قدامي.
فتحت درج المكتب.
طلعت نوتة جديدة.
وكتبت في أول صفحة رقم واحد بس
٨٠٠٠ جنيه.
تاني يوم الصبح، رحت البنك على طول.
مديرة الفرع، الأستاذة عبير، كانت تعرفني من سنين.
قلت لها
أنا عايز كشف كامل بكل حركة حصلت على حساب صندوق العيلة، وأي تحويلات مرتبطة بيه.
فتحت الحساب قدامي.
وظهر كل شيء.
أول يوم من كل شهر
بالظبط ٨ آلاف جنيه كانت بتنزل من صندوق ابني.
يناير.
فبراير.
مارس.
شهر ورا شهر.
مازن ماكانش كدب عليّ.
هو فعلًا كان بيبعت الفلوس.
لكن عبير نزلت تحت شوية في كشف الحساب.
وكانت المفاجأة.
تحت كل إيداع ب٨ آلاف جنيه
كان فيه تحويل تاني ب٧ آلاف و٨٠٠ جنيه.
نفس اليوم.
كل شهر.
وبشكل منتظم.
٨ آلاف تدخل
٧٨٠٠ تخرج.
واللي يفضل في الحساب؟
٢٠٠ جنيه بس.
قربت من الشاشة.
ممكن نعرف الفلوس دي راحت فين؟
عبير بدأت تدور في تفاصيل التحويلات.
كتبت شوية بيانات.
وبعد ثواني
إيديها وقفت.
فضلت ساكتة وهي بتبص للشاشة.
وبعدين رفعت عينيها لي.
وشها كان اتغير.
أستاذ حسن أنا شايفة إنك لازم تشوف بنفسك مين اللي كان مصرح له يعمل التحويلات دي.
لفّت شاشة الكمبيوتر ناحيتي.
قريت الاسم.
وفي اللحظة دي
فهمت.
فهمت ليه نادين كانت مستميتة تقنع ابني إني بقيت مش واعي.
وفهمت ليه كانت مستعجلة تخليني أبان عاجز عن إدارة نفسي.
التحويلات ما كانتش عشوائية.
كانت معمولة بموجب توكيل قانوني المفروض إني أنا اللي وافقت عليه.
لكن المشكلة كانت إن
أنا عمري ما عملت التوكيل ده.
والشخص المسجل إنه المتحكم في فلوسي
كان اسم ما ينفعش يكون موجود أصلًا.
نادين.
التحويلات كانت معمولة من سنين
وبتوكيل مزوّر باسمي.
وساعتها، لأول مرة، حسيت إن موضوع ال٨ آلاف جنيه ماكانش سرقة عادية.
كان فيه سر أكبر بكتير مستخبي ورا الفلوس.
وسر لو ظهر
مش أنا لوحدي اللي هتتغير حياتي.
ابني نفسه كان داخل على صدمة عمره.
لأن التحويلات كانت بتتم كل شهر بموجب صلاحية قانونية أنا عمري ما منحتها لحد.
والأسوأ من كده؟
إني لما رجعت أبص على أول تحويل
اكتشفت إن ال٨ آلاف جنيه ماكانتش أكبر مبلغ نادين أخدته من ابني.
كانت بس
أول خيط.
بعد ما شفت اسم نادين على الشاشة، ما اتحركتش من مكاني.
فضلت باصص للبيانات قدامي، وبعدين سألت الأستاذة عبير بصوت هادي
التوكيل ده اتعمل إمتى؟
رجعت للتاريخ.
كان قبل حوالي أربع سنين.
يعني بعد وفاة نجلاء بوقت طويل.
قلت
ومين
لمحة نيوز

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *